موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الانتخابات الإسرائيلية...عندما يقرأ العرب نتائجها بالمقلوب

لقد كان واضحاً أن محددات اقتصادية واجتماعية هي التي أثرت على اتجاهات التصويت لدى الإسرائيليين في الانتخابات الأخيرة، فحزب " ييش عتيد "، برئاسة الصحافي السابق يئير لبيد حقق مفاجأته المدوية، وحل في المرتبة الثانية بعد تحالف الليكود- إسرائيل بيتنا لأنه رفع بقوة راية الدفاع عن حقوق ومطالب الطبقة الوسطى، التي تمثل العمود الفقري للمجتمع في إسرائيل. وقد صوتت " الطبقة الوسطى " للبيد، لأنه جمع بين " ميزتين " أغريتا قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى بالتصويت له. فمن ناحية تبنى مطالبها الاقتصادية والاجتماعية، ومن ناحية ثانية أعلن لم يشذ عن موقف اليمين الإسرائيلي في كل ما يتعلق بتسوية الصراع مع الفلسطينيين والعرب؛ مع العلم أن التوجهات العامة للطبقة الوسطى من الصراع هي توجهات يمينية.

 فعلى صعيد تصور حزب " ييش عتيد " لحل الصراع مع الشعب الفلسطيني،  فإن هذا الحزب ينادي باحتفاظ إسرائيل بكل التجمعات الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية، ويدافع عن حق المستوطنين في البناء بغرض الاستجابة لمتطلبات " الزيادة الطبيعية "، ويرفض أي تغيير على واقع القدس المحتلة، باعتبارها " عاصمة إسرائيل الموحدة والأبدية "، ناهيك عن مطالبة الحزب بعدم التنازل عن منطقة " غور الأردن "، التي تمثل 25% من الضفة الغربية، إلى جانب رفضه حق العودة للاجئين الفلسطينيين. ومن أجل تأكيد موقفه من المستوطنات، فقد حرص لبيد على الإعلان عن تشكيل حزبه تحديداً من مستوطنة " أرئيل "، التي تعتبر ثاني أكبر مستوطنة في الضفة الغربية. وبالمناسبة، فإن حزب " هتنوعا " الذي تقوده وزيرة الخارجية الأسبق تسيفي لينفي يتبنى عملياً نفس مواقف " ييش عتيد " وكذلك حزب " كاديما ". وفي كل ما يتعلق بالموقف من الصراع مع الفلسطينيين، فقد تآكلت الفروق الأيدلوجية بين الأحزاب الإسرائيلية بشكل لافت. فحتى حزب العمل، الذي كان يوصف بأنه يمثل " معسكر السلام " الإسرائيلي قد قلل من أهمية تأثير الصراع مع الفلسطينيين، لدرجة أن زعيمته شيلي يحموفيتش حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تؤكد أن حزبها لا يمثل اليسار، علاوة على أنها عبرت عن مواقف تتقاطع مع اليمين الإسرائيلي، وتمثلت في تأييدها إقامة جامعة في مستوطنة " أرئيل "، في الوقت الذي عارض هذه الخطوة مجلس جامعات إسرائيل.

لكن إن كان هناك ثمة أحد يراهن على أن نتائج الانتخابات في إسرائيل يمكن أن توفر الظروف لتحقيق تسوية سياسية للصراع، فمن الواضح أنه يستند للأوهام أكثر من استناده للحقائق. أن أحداً في الشعب الفلسطيني، بغض النظر عن انتمائه التنظيمي والفصائلي لا يمكنه الموافقة على تسوية تستند إلى برنامج " ييش عيتد " و" حزب العمل ".

من الواضح أن الحكومة الإسرائيلية القادمة بزعامة نتنياهو، والتي سيشارك فيها " ييش عتيد " ستحرص على استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، لكن بدون شروط مسبقة، حيث أن لبيد على وجه الخصوص يدرك أن عدم استئناف المفاوضات،  يضر بمصالح إسرائيل ويعمل على تدهور مكانتها الدولية. ويعترض لبيد على قرارات نتنياهو الأخيرة ببناء آلاف الوحدات السكنية في أرجاء الضفة الغربية، رغم اعتراض الولايات المتحدة، وهو يرى أنه يتوجب الحفاظ بكل قوة على الروابط المتينة مع الولايات المتحدة وعدم المخاطرة بإحراج إدارة الرئيس أوباما

 أن إسرائيل بعد الانتخابات ستركز على إجراءات المفاوضات، وليس بهدف انجاز تسوية سياسية للصراع. أن أول من سينبري للاعتراض على أية محاولة لإنجاز تسوية سياسية للصراع هم تحديداً وزراء وأعضاء الكتة البرلمانية لحزب الليكود الحاكم نفسه، المحسوبين على غلاة المتطرفين. وفي حال ضم نتنياهو حزب " البيت اليهودي " الديني المتطرف، والذي يمثل المستوطنين، فإن أي قرار بوقف الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية لن يمر في الحكومة. صحيح أن نتنياهو بإمكانه ضم الأحزاب الدينية الحريدية التي تركز على مصالحها الخاصة وتبدي مرونة في القضايا السياسية، لكن لبيد يطرح شروط بالغة الصعوبة للموافقة على ضم هذه الأحزاب للحكومة القادمة، حيث أنه يطالب بأن تقوم الحكومة بإصدار قرارات تضمن تحقيق المساواة في تحمل عبء الخدمة العسكرية، وهذا يعني التوقف عن إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، وهو ما لا تقبله الأحزاب الدينية الحريدية.

من هنا، فإن الحكومة القادمة يمكن أن تقدم على بعض الخطوات على صعيد العلاقات العامة، فيما يتعلق بالتسوية السياسية للصراع، التي يمكن أن تلقى استحسان لدى الإدارة الأمريكية، ويمكن أن تعتمد عليها إدارة اوباما في ممارسة ضغوط على قيادة السلطة الفلسطينية من أجل الموافقة على استئناف المفاوضات. لكن أبو مازن ليس بوسعه استئناف المفاوضات بدون شروط، حيث أنه لا يمكنه أن يوافق على استئناف المفاوضات بدون وقف للاستيطان وعمليات التهويد، وتحديد مرجعية للمفاوضات.

من أسف، فإن الإعلام العربي أصبح صدى للإعلام الإسرائيلي، حيث أنه بات يصور نتيجة الانتخابات وكأن هناك قد حدث تعادل بين اليمين من جهة واليسار والوسط من جهة أخرى. فدعونا نعدد نتائج الأحزاب لكي نتأكد أن اليمين هو الذي حقق فوزاً ساحقاً في هذه الانتخابات، فمجموع ما حصل عليه الليكود – إسرائيل بيتنا والبيت اليهودي والأحزاب الدينية الحريدية  ( شاس ويهدوت هتوراة )، و " ييش عتيد " و " هتنوعا " و " كاديما "، التي تتبنى مواقف يمينية متطرفة بشكل صارخ هو 88 مقعد، أي أكثر من 73% من المقاعد...فهل هذا تعادل؟؟، مع العلم أن أي فلسطيني لا يمكنه أن يوافق على المواقف التي تعرضها زعيمة حزب العمل يحموفيتش...باختصار، الانتخابات أسفرت عن فوز ساحق لليمين الإسرائيلي.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر