موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
اولمرت على خطوات شارون
الاسلام اليوم 19/01/2006 بعد أن أصبح في حكم المؤكد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون قد انتهت حياته السياسية بغض النظر عن فرص بقائه حياً، فإن مقاليد الأمور باتت حالياً في يد القائم بأعماله أيهود أولمرت الذي كان يُنظر إليه كسياسي نخبوي منبوذ جماهيرياً. أولمرت الذي لم يحلم مجرد حلم أن يصبح في يوم من الأيام على رأس دائرة صنع القرار في الدولة العبرية، يبدو عاقداً العزم على استغلال التعاطف الذي تبديه الجماهير تجاهه كخليفة لشارون في رئاسة الوزراء وفي زعامة حزب "كاديما"، من أجل إقناع الشارع الإسرائيلي بقدراته القيادية، وأنه بالإمكان الاعتماد عليه في إدارة شؤون الدولة من ناحية، وضمان أمنها وتعزيز المكاسب الإستراتيجية التي حظيت بها "إسرائيل" تحت زعامة شارون من ناحية أخرى. وبخلاف ما تحاول الكثير من وسائل الإعلام ترويجه من أنه "سياسي مغمور وحمائمي"، فإن أولمرت، وعلى الرغم من أنه كان نخبوياً ولم يكن يحظى بشعبية كبيرة، إلا أنه بكل تأكيد سياسي"داهية".فأولمرت، هو النجل الأكبر لإسحاق أولمرت ،أحد زعماء التنظيم الإرهابي الصهيوني "ليحي" الذي عاث قتلاً وتدميرا بين الفلسطينيين قبيل الإعلان عن الدولة العبرية، وكان أصغر نائب في البرلمان الإسرائيلي في العام 1973، وهو الذي تولى عدة مناصب وزارية في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير، وانتزع رئاسة بلدية الاحتلال في القدس من تيدي كوليك أحد زعماء حزب العمل الإسرائيلي بعد أن أخذ يزايد على كوليك في كل ما يتعلق بالأنشطة الاستيطانية ذات الطابع التهويدي في القدس المحتلة. وبعد أن تم تنصيبه رئيساً لبلدية الاحتلال، أطلق أولمرت مشروع النفق في البلدة القديمة من القدس أواخر العام 1996، الأمر الذي فجّر انتفاضة النفق التي استشهد فيها العشرات من الفلسطينيين، في حين هلك ثمانية عشر عسكرياً صهيونياً. وفي عهد أولمرت تعزز الدور الذي يقوم به المليونير اليهودي الأمريكي اورفينغ ميسكوفيتش ومنظمة "عطيرات كوهنيم" في مجال تبني المشاريع التهويدية في مدينة القدس. فبتشجيع من أولمرت نفسه، قام نشطاء "عطيرات كوهنيم" بالاستيلاء على العشرات من العقارات الفلسطينية في البلدة القديمة من القدس وتم تحويلها إلى كنس، وإلى شقق سكنية للمستوطنين، لاسيما في محيط المسجد الأقصى. وعلى الرغم من أن كوليك سلف أولمرت في رئاسة البلدية لم يألُ جهداً في إصدار القرارات الإدارية والتنظيمية من أجل تضييق الخناق على الفلسطينيين داخل المدينة المقدسة لدفعهم إلى مغادرتها واستبدالهم بمهاجرين يهود، إلا أن أولمرت جعل تهجير الفلسطينيين من القدس الشغل الشاغل له وللمجلس البلدي الذي رأسه. فكرئيس لبلدية الاحتلال ضاعف أولمرت من إصدار أوامر هدم منازل الفلسطينيين في المدينة وضواحيها بزعم البناء بدون الحصول على ترخيص من البلدية، مع العلم أن البلدية لا تقوم بإصدار تراخيص بناء للفلسطينيين. وفي عهده انتقلت المئات من الأسر الفلسطينية المقدسية للعيش في خيام بسبب أوامر الهدم. وما يعكس الطابع السادي لأولمرت هو أنه كان يأمر بألاّ يتم هدم بيوت الفلسطينيين إلا بعد أن يتم استكمال بناء المنزل بشكل كامل، حتى يضمن أن تكون الأسر الفلسطينية قد أنفقت ما في جعبتها من مال. وفي عهد أولمرت تضاعف حجم ضريبة "الارنونا" التي تفرضها البلدية على الفلسطينيين حتى وصلت إلى مقاييس خيالية مقارنة بالأوضاع المالية الصعبة للفلسطينيين هناك. وتواطأت بلدية الاحتلال تحت سيطرة أولمرت مع وزارة الداخلية الإسرائيلية من أجل تهجير الفلسطينيين المقدسيين؛ إذ عملت وزارة الداخلية بعد إلحاح من أولمرت على سحب بطاقات الهوية المقدسية الزرقاء من كل مقدسي يترك المدينة لمدة عام، وفي نفس الوقت تم حرمان المقدسيين الذين ينتقلون للعيش في الضفة الغربية بسبب ارتباطات العمل من حق العودة للإقامة في المدينة. لذلك فإن كل المقدسيّات اللاتي تزوجن من فلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة فقدن الحق في العودة للإقامة في القدس، مع أن أولمرت كان يستعطف كل يهود العالم للقدوم للإقامة في المدينة من أجل ضمان تهويدها. بالإضافة إلى ذلك فقد حرص أولمرت على منع إقامة بنى تحتية صناعية أو تجارية لاستيعاب الأيدي الفلسطينية العاطلة عن العمل في القدس، وذلك من أجل دفعهم لترك المدينة. لكن أولمرت صاحب كل هذا الإرث تحول منذ انضمامه لحكومة شارون في العام 2003 إلى رمز لـ "الاعتدال" في الحكومة، في نظر البعض، لا سيما في الجانب العربي والفلسطيني. ومرد هذا الانطباع عن هذا الشخص هو حقيقة تحمسه لخطة "فك الارتباط" التي تضمنت إخلاء مستوطنات قطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية، بالإضافة إلى تصريحاته المتتالية بأنه مستعد لإخلاء المستوطنات النائية في الضفة الغربية. والذين يرمون أولمرت بالاعتدال يتجاهلون حقيقة أن رهانات أولمرت على "فك الارتباط"، هي نفس رهانات سلفه شارون عليها. فأولمرت يعتبر أن من حق إسرائيل الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية إلى جانب الإبقاء على القدس "الكبرى" كعاصمة للدولة العبرية، إلى جانب الاحتفاظ بمنطقة "غور الأردن"، ورفض الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران، واعتبار حق العودة للاجئين الفلسطينيين خطاً أحمر لا يمكن القبول به مطلقاً. من هنا فإن أولمرت يُعدّ السياسي الأمثل بالنسبة للإدارة الأمريكية؛ إذ إن أولمرت – مثله مثل شارون – يعتبر أنه يتوجب إبداء بعض التنازلات المدروسة من أجل ضمان تأييد الإدارة الأمريكية، على أساس أن ذلك مصلحة إستراتيجية للدولة العبرية. حتى الآن تتواتر استطلاعات الرأي العام التي تؤكد أن حزب "كاديما" تحت قيادة أولمرت سيحصل على أكثر من ثلث مقاعد البرلمان المقبل، وأن الجمهور الإسرائيلي يثق بقيادة أولمرت أكثر من ثقته بقيادة نتنياهو زعيم الليكود وبيريتس زعيم حزب العمل. لكن أولمرت يعي قبل غيره أنه من المرجح أن تعكس هذه المعطيات تعاطف الشارع الإسرائيلي مع شارون وليس ثقة بقيادة أولمرت، من هنا فإنه من المتوقع أن تتغير نتائج هذه الاستطلاعات لغير صالح أولمرت وحزب "كاديما". والكثير من المراقبين في الدولة العبرية يرون أنه من شبه المؤكد أن يبادر أولمرت للقيام بعمليات أمنية ضد الفلسطينيين وضد أهداف خارج حدود فلسطين من أجل استرضاء جمهوره والتدليل على أهليته للقيادة. لذلك ليس من المستبعد أن يأمر أولمرت قيادة الجيش والمخابرات باستغلال عمليات المقاومة الفلسطينية، وتحديداً عمليات إطلاق الصواريخ لتسويغ تجريد حملات عسكرية ضد المقاومة في قطاع غزة، وتكثيف عمليات الاغتيال والاعتقالات. كما أنه ليس من المستبعد أن يصدر أولمرت تعليماته بالقيام بمغامرة عسكرية ضد المشروع النووي الإيراني
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر