موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هكذا توظف إسرائيل فزاعة " العثمانيين الجدد " في استمالة أوروبا الشرقية

هناك دلالة واضحة للشهادة التي أدلى بها محامي الأسير الفلسطيني ضرار أبو سيسي بشأن ظروف اختطافه من قبل جهاز الموساد أثناء تواجده في كييف، بأوكرانيا، حيث ظهر من خلال هذه الشهادة حجم التعاون الذي أبدته الأجهزة الأمنية الأوكرانية في تسهيل مهمة الموساد. من الواضح أن هذه الشهادة تعكس في الواقع التحولات التي طرأت على البيئة الدولية التي تؤثر على المقاومة الفلسطينية. وقد بات واضحاً أن هذه البيئة تحولت بشكل سلبي ضد المقاومة، بحيث أنها مكنت إسرائيل من التمتع بقدر كبير من التعاون الأمني الذي تبديه مزيد من الدول. وهناك مثال آخر يدلل على هذا التحول، هو الطريقة التي تعاملت بها الأجهزة الأمنية البلغارية مع  النواب في المجلس التشريعي عن حركة حماس، الذين كانوا في زيارة للعاصمة صوفيا. أن هناك علاقة وثيقة بين هذا التحول وبين التدهور في العلاقة بين إسرائيل وتركيا في أعقاب أحداث أسطول الحرية مايو 2010، حيث أن إسرائيل وظفت تدهور العلاقات مع تركيا مع استمالة دول البلقان ودول أخرى في شرق أوروبا لصالحها وبناء تحالفات استراتيجية معها.

فزاعة العثمانيين الجدد

لقد بات في حكم المؤكد إن إسرائيل باتت توظف فزاعة عودة " العثمانين " الجدد في محاولاتها بناء تحالفات دولية جديدة تستعيض بها عن التحالف السابق مع تركيا. فعلى سبيل المثال، هناك الكثير من الأسباب التي تفسر التحول الهائل في موقف اليونان من إسرائيل، لكن مما لا شك فيه أن أحد أهم هذه الأسباب هو تدهور العلاقات التركية بين إسرائيل وتركيا في أعقاب أحداث أسطول الحرية الأول في أواخر مايو من العام الماضي. فتركيا التي كانت من أوثق حلفاء إسرائيل كانت عدواً لدوداً لليونان، وهذا بالضبط ما دفع النخب الحاكمة في كل من تل أبيب وأثينا لاستغلال هذه الأحداث لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين. فقد كان الإسرائيليون يبحثون عن بدائل تعوضهم ما خسروه جراء تراجع التعاون العسكري الذي كان يربط أنقرة بتل أبيب، سيما التدريبات الجوية والتعاون الاستخباري، وعوائد صفقات بيع السلاح وغيرها. في حين وجدت اليونان في هذا التطور مناسبة لاستغلال العلاقات مع إسرائيل لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي كانت تعصف باليونان والتي تفاقمت حتى بلغت مستويات خطيرة جداً. وقد أدركت إسرائيل حجم الطاقة الكامنة في العلاقات مع أثينا وعوائدها الاستراتيجية على الكيان الصهيوني، فأخذت تستغل تراث العداء بين تركيا واليونان عبر التشديد على أهمية تطوير العلاقات بين الجانبين في الوقوف أمام " الأطماع " التركية.

استغلال الرواسب التاريخية

 وتشهد الباحثة الإسرائيلية أبيراما غولان بأن النخب الإسرائيلية حرصت على لفت أنظار المسؤولين اليونانيين مراراً إلى ما جاء في كتاب وزير الخارجية التركية أحمد داود أوغلو " العمق الاستراتيجي " باعتبار أنه دليل على توجهات أردوغان لبعث الدولة العثمانية في نسختها الحديثة وأدواتها الجديدة، وأن كتاب " أوغلو " يمثل في الواقع " دليل العثمانيين الجدد " لاستعادة النفوذ القديم. ولا يتردد الإسرائيليون في استغلال الرواسب التاريخية الناجمة عن وقوع اليونان وبقية دول البلقان تحت الحكم العثماني لمئات السنين. ويعترف السفير الإسرائيلي في بلغاريا نحجال جالنر بأن إسرائيل باتت تركز على الإرث التاريخي والثقافي في تحفيز دول البقان بشكل عام للتعاون مع الكيان الصهيوني، إلى جانب توظيف " الإسلامفوبيا " في أوروبا في محاولة بناء علاقات على أسس جديدة مع هذه الدول. لذا لم يكن من المستهجن أن تكون اليونان تحديداً، الدولة الأوروبية التي تنقذ إسرائيل من التداعيات التي كانت ستترتب على إبحار " أسطول الحرية 2 " صوب شواطئ مدينة غزة "، وتحول دون تحقق سيناريو الرعب، الذي ظلت تخشاه تل أبيب، والمتمثل في المواجهة الحتمية بين الجيش الإسرائيلي والمشاركون في الأسطول، وهو السيناريو الذي سعت حكومة نتنياهو بكل قوة لتلافيه. مع العلم أن أن اليونان كانت حتى وقت قريب أكثر الدول الأوروبية تضامناً مع القضايا العربية، ومؤازرة للشعب الفلسطيني، وكان دعم النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، أحد محاور الإجماع بين الفرقاء السياسيين في الساحة اليونانية. لقد كان الحزب الاشتراكي اليوناني " الباسوك "، سيما تحت قيادة جورجيو بباندريو، جد رئيس الوزراء السابق جورج بباندريو، وتحت قيادة والده أندرياس بباندريو، وقد توليا رئاسة الوزراء في أثينا، أكثر الأحزاب الاشتراكية تأييداً للقضية الفلسطينية، وكان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات صديقاً شخصياً لأندرياس ببناندريو. ونظراً لهذا الموقف فقد كانت اليونان آخر الدول الأوروبية  تقدم على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 1992، وحتى عندما تم تبادل السفراء بين الجانبين، فقد ظلت العلاقات بين الجانبين باردة.

توظيف الاقتصاد

لكن إسرائيل لا توظف فقط فزاعة العثمانيين الجدد، بل باتت توظف بشكل مثابر الاعتبارات الاقتصادية في سعيها المزيد من الدول إلى جانبها، حتى عندما يتبين أن تل ابيب لن تدفع مقابل ترسيخ علاقاتها مع هذه الدول.فلقد رئيس الوزراء اليوناني  بباندريو أن انقاذ اليونان من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها لايتوقف فقط على المساعدات التي يقدمها الإتحاد الأوروبي، بل أن الأمر يتطلب في الأساس تدفق الكثير من الاستثمارات الأجنبية لهذا البلد، وبالتالي فإن حكومته بذلت جهوداً كبيرة من أجل اقناع الشركات العالمية بالاستثمار في اليونان. وفي الوقت الذي كانت بباندريو يسعى لاقناع المستثمرين الأجانب بالتوجه للاستثمار في اليونان، كانت القيادة الإسرائيلية تخرج عن طورها في البحث عن حلول لتفادي توجه " أسطول الحرية 2 " لساحل غزة، حيث أن اضطرار إسرائيل للتدخل لمنع وصوله بالوسائل العسكرية كان يقترن بحدوث تدهور في مكان إسرائيل الدولية المتهاوية أصلاً، وكان يؤذن بتدهور علاقات إسرائيل مع الدول التي كان رعاياها ضمن المتضامنين الأجانب الذين كان من المفترض أن يحملهم الأسطول. ومن أجل توظيف الأزمة الاقتصادية في اليونان ، فقد حرصت حكومة نتنياهو على التشاور مع المنظمات اليهودية الرئيسة في الولايات المتحدة لإستغلال الأوضاع الطارئة في اليونان لصالح تل أبيب، حيث تم الاتفاق بين ديوان نتنياهو وقادة المنظمات اليهودية الرئيسية على أن يتوجه وفد يمثلهم لأثينا والالتقاء بباندريو والتعهد له بأن تسعى هذه المنظمات بإقناع الشركات الأمريكية ورجال الأعمال اليهود بالاستثمار في اليونان، مقابل أن تمنع اليونان سفن الأسطول من الإبحار من الموانئ اليونانية.  وهذا ما كان بالفعل، حيث أن حكومة اليونانية عزت قرارها بمنع سفن الأسطول من الإبحار بالقول أن هذا القرار ينسجم مع متطلبات الأمن القومي اليوناني. ومما لا شك فيه أن الموقف الأمريكي الرسمي وموقف أمين عام الأمم المتحدة الصارم ضد توجه " أسطول الحرية 2 " كان له دور في صدور القرار اليوناني. وإلى جانب ذلك، فإن نتنياهو أبلغ بباندريو بأن إسرائيل بإمكانها أن تساعد اليونان في الخروج من أزمتها الأزمة الاقتصادية بالعمل على جعل مئات الآلاف من السياح الإسرائيليين يتجهون لليونان بدلاً من التوجه لتركيا، التي كانت البلد الذي يفضله السائح الإسرائيلي. وأبلغ نتنياهو بباندريو أن هناك 400 ألف إسرائيلي يبحثون عن مكان للاستجمام فيه، وعرض عليه تسويق رزم سياحية مشتركة لكل من تل أبيب وأثينا.ومن الأسباب التي تدفع اليونان لتطوير علاقاتها مع إسرائيل هو حاجتها لدعم واشنطن في نزاعها مع تركيا بشأن مستقبل قبرص، وافتراضها أن التعاون مع إسرائيل سيعزز فرص اصطفاف الإدارة الأمريكية إلى جانب أثينا.

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر