موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
قصة هذه مستوطنة تفضح الرهان على وهم التسوية

تتناثر الفيلل الفخمة المسقوفة بالكرميد الأحمر، في قلب الريف، الغارق في أحضان الطبيعة التي تعج بالمشاهد الخلابة، في حين تنساب حركة المرور بهدوء في الصباح. قد يبدو، كل ما في الأمر طبيعياً، باستثناء حقيقة واحدة، وهي أن هذا المشهد الشاعري يتجسد في مستوطنة " هار أيدر "، التي أقامها المستوطنون اليهود على أراضي الضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، بعد أن صادرها جيش الاحتلال من أصحابها الفلسطينيين بزعم أنه الخطوة جاءت لأغراض عسكرية، وبعد ذلك قام بتحويل الأرض لتقام عليها هذه المستوطنة. المفارقة هنا، أن الأغلبية الساحقة من سكان هذه المستوطنة عبروا عن سعادتهم بعد أن علموا أن يائير لبيد، زعيم حزب " ييش عتيد "، الذي يمثل الوسط الإسرائيلي سيتولى منصب وزير المالية في الحكومة الجديدة، حيث أن حوالي 60% من السكان هنا صوتوا لهذا الحزب في الانتخابات الأخيرة. ويأمل المستوطنون في هذه المستوطنة أن يحرص لبيد على توظيف موقعه الجديد من أجل مد المستوطنة بمزيد من المساعدات لكي يقام فيها المزيد من المرافق ولتستوعب المزيد من المستوطنين. إذا كان المستوطنون يراهنون كل هذا الرهان على لبيد، الذي يزعم تمثيل الوسط الإسرائيلي، فإن رهاناتهم على قادة المستوطنين الذين سيصبحون أعضاء في الحكومة الجديدة هي أكبر بكثير. فنظراً للثقل الكبير الذي يحظى به قادة المستوطنين في الحكومة الجديدة، فإن هناك من المعلقين الإسرائيليين من أطلق على الحكومة الجديدة " حكومة المستوطنين ". لا تبدو هذه التسمية مبالغ فيها على الإطلاق. فحزب " البيت اليهودي "، الذي يمثل المستوطنين، سيحتفظ بأربعة وزارات مهمة، على رأسها، وزارة الإسكان ووزارة الصناعة والتجارة. أوري أرئيل، أحد قادة المستوطنين، وأكثرهم تطرفاً هو وزير الإسكان الجديد، مع العلم أن وزارة الإسكان، هي الوزارة المسؤولة بشكل رئيس عن المشاريع الاستيطانية والتهويدية في الضفة الغربية والقدس المحتلة. وقد طمأن أرئيل جمهور المستوطنين، قائلاً أنه ملتزم بدفع المشروع الاستيطاني قدماً، على اعتبار أن هذا السلوك " يعبر عن إرادة الجمهور الإسرائيلي ". لا يفوت أرئيل أية فرصة دون أن يعبر عن سخريته من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي يشترط التزام إسرائيل بوقف الاستيطان قبل استئناف المفاوضات. " الأرض التي يسمونها الضفة الغربية هي جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل، ونحن لن نتخلى عن حقنا في البناء في أية بقعة من أرضنا، وفي حال تم تخيير شعب إسرائيل بين ممارسة حقوقه الوطنية وبين المفاوضات مع العرب؛ فإنه حتماً سيختار ممارسة حقه في البناء على أرضه "، قال للإذاعة العبرية، صباح الأحد الماضي. وإن كان أرئيل يطمئن زملائه المستوطنين بأن مشاريع الاستيطان لن تتوقف، فإن زعيم حزبه نفتالي بنت، الذي يتولى منصب وزير الصناعة والتجارة في الحكومة الجديدة يعد المستوطنين بأنه سيسخر إمكانيات وزارته من أجل تحسين ظروف معيشتهم بشكل جذري. وضمن وعود بنت، الذي شغل في الماضي مدير عام مجلس المستوطنات اليهودية، للمستوطنين، إقامة تجمعات صناعية كبيرة في محيط المستوطنات الكبرى من أجل توفير فرص عمل للشباب تكون قريبة من مناطق سكناهم، بحيث لا يضطرون للسفر إلى قلب إسرائيل للوصول للعمل. وتشمل الحكومة الجديدة ثمانية وزراء يقطنون في مستوطنات الضفة الغربية، بالإضافة إلى حقيقة أن الأغلبية الساحقة من الوزراء في الحكومة الجديدة معروفون بحماسهم للمشروع الاستيطاني. لكن بالإضافة إلى خدمة الاستيطان، فإن هناك ما يدلل على أن نية نتنياهو تحويل حكومته الجديدة إلى وزارة حرب، بكل ما تعني الكملة. فقد اختار نتنياهو تحديداً موشيه يعلون، رئيس أركان الجيش الأسبق ليكون وزيراً للدفاع، وهو المعروف بحماسه الشديد للتصعيد العسكري ضد الأطراف العربية، كما أنه مؤيد لخيار استخدام القوة المسلحة من أجل إحباط مشروع إيران النووي. في غمرة الانتفاضة الثانية، كان يعلون رئيساً لأركان الجيش، وكان مسؤولاً عن إصدار الأوامر لتنفيذ جميع عمليات الاغتيال ضد النشطاء الفلسطينيين، مع العلم أن معظم هذه العمليات أسفرت عن مقتل وجرح المئات من المدنيين الفلسطينيين. وتدل الشهادات التي أدلى بها جنرالات وضباط كبار خدموا تحت إمرة يعلون أنه ليس فقط متطرف، بل متهور، بمعنى أنه يبدي استعداداً للقيام بالكثير من المغامرات العسكرية، التي قد تستهدف الكثير من الأطراف في المنطقة. فعلى سبيل المثال، قال يعلون أكثر من مرة أنه يحق لإسرائيل أن تنفذ عمليات عسكرية في قلب سيناء لضمان تحقيق الأمن التام على الحدود مع مصر، في أعقاب ثورة 25 يناير.

قصارى القول، الحكومة الجديدة في إسرائيل ستكون حكومة استيطان وحرب، لذا من المستهجن أن يعود أبو مازن لأخطائه الكارثية ويعمد للرهان على امكانية حدوث تحول في المواقف الصهيونية.  وعلى الرغم من أن الأمر بات ممجوجاً لدرجة لا تصدق، فإن ما يجب أن يدركه الجميع في الساحة الفلسطينية هو أن استعادة الوحدة الوطنية والتوافق على برنامج وطني مشترك هو واجب الساعة.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر