موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الاستقطاب داخل اليمين إذ يرسم حدود للخارطة الحزبية في إسرائيل

إن كان لا يوجد ثمة خلاف بين علماء السياسة والاجتماع السياسي في إسرائيل على أن التنافس على قيادة الكيان الصهيوني سيبقى لسنين طويلة منحصراً بين القوى التي تشكل اليمين، بشقيه العلماني والديني، فإن تشكيلة الحكومة الجديدة ستؤدي إلى حدوث تحول واضح على صعيد العلاقة بين مركبات اليمين الإسرائيلي. فمنذ الانقلاب السياسي في العام 1977، والذي جاء باليمين بقيادة حزب الليكود لسدة الحكم في إسرائيل، تعاونت الأحزاب والقوى العلمانية اليمينية مع الأحزاب والقوى الدينية من أجل ضمان تواصل حكم الليكود. وقد وصل الأمر في العقد الأخير إلى حد أن اتجه المتدينون إلى اختراق الأحزاب العلمانية اليمينية. إن تشكيل الحكومة الجديدة مثل في الواقع نقطة تحول فارقة في العلاقة بين مركبات اليمين الإسرائيلي العلمانية والدينية، بحيث تبلور معسكران رئيسيان متمايزان داخل معسكر اليمين، علماني وديني يسعى كل منهما إلى توظيف وجوده داخل الحكومة الجديدة إلى تعزيز فرصه في التنافس على قيادة الدولة. إن أحد هذين المعسكرين يمثله حزب " ييش عتيد "، العلماني الذي يمثل يمين الوسط، وهو الذي يطمح إلى بلورة تشكيل معسكر يميني علماني، يتكون مع مركبات اليمين العلماني، وضمنها حزب الليكود، بعد أن يتحرر من وطأة القوى الدينية داخله، والتي يتزعمها موشيه فايغلين وزئيف إلكين وغيرهما. وفي المقابل هناك المعسكر الذي يقوده حزب " البيت اليهودي " الديني، الذي يطمح أيضاً في قيادة الدولة في المستقبل، لذا فهو سيسعى إلى تشكيل معسكر كبير يضم الأحزاب والحركات الدينية بمختلف توجهاتها. أن ما سيعين نفتالي بنت، زعيم " البيت اليهودي "، الذي يمثل التيار الديني الصهيوني، على تحقيق مسعاه هذا هو حالة السخط العارمة التي تجتاح المعسكر الديني الحريدي، وتحديداً حركتي " شاس " و " يهدوت هتوراة "، اللتان لم تعودا جزءاً من تركيبة الحكم؛ مع العلم أنه باستثناء فترة قصيرة جداً، ظلت هاتان الحركتان جزءاً لا يتجزأ من الائتلافات الحاكمة التي توالت على إدارة شؤون إسرائيل منذ العام 1977. لقد أصر " ييش عتيد " العلماني على عدم ضم هذين الحزبين للحكومة بحجة أن أتباعهما لا يؤدون الخدمة العسكرية في الجيش، وهما سيغيبان لأول مرة عن دائرة التأثير التي ضمنت لهما تمويل مؤسساتهما الدينية والتعليمية والاجتماعية. صحيح أن الأحزاب الحريدية تشعر بقدر كبير من الغضب على " البيت اليهودي " أيضاً الذي قبل بخروجهما من الحكومة، إلا إن قيادات هذه الأحزاب تدرك أنه في ظل موازين القوى القائمة لا خيار أمامها سوى التعاون مستقبلاً مع " البيت اليهودي " من أجل بناء جبهة دينية تواجه التيار العلماني. ومن الواضح أنه في ظل حالة الاستقطاب الجديدة، فإن فرص نتنياهو على المناورة من أجل ضمان بقائه على سدة الحكم تقلصت إلى حد كبير، وهذا ما يفسر محاولاته المستميتة لتشكيل ائتلاف جديد، بضم الأحزاب الحريدية وأحزاب يسار الوسط، حيث أن هذه الأحزاب لا تقدم نفسها على أنها بديل له في سدة الحكم. لقد كان نتنياهو معنياً بتشكيل حكومة بدون لبيد وبنت، لأنه أدرك أن حزبيهما في حكومته سيهددان مستقبله السياسي، فهما سيوظفان مصادر النفوذ التي سيحصلان عليها من أجل تحسين قدرة كل منهما على التنافس على زعامة الدولة مستقبلاً. يعي نتنياهو أن حالة الاستقطاب داخل اليمين ستؤدي إما إلى تفكك حزبه الليكود أو إلى تحويله إلى حزب هامشي؛ حيث أن هذا الحزب قائم حالياً على التجانس بين العلمانيين والمتدينين. وهو يدرك أن الواقع الجديد سيدفع النخب العلمانية داخل الليكود للانضمام للمعسكر العلماني الذي يسعى لبيد لتشكيله، في حين ستتجه النخب المتدينة نحو المعسكر، الذي يقوده البيت اليهودي. ومن نافلة القول أنه في ظل موازين القوى الجديدة، لم يعد أحد يأخذ بعين الاعتبار أحزاب اليسار، وتحديداً حزب العمل وحركة ميريتس، فهذان الحزبان سيظلان على هامش الحياة السياسية الإسرائيلية.

أن التحولات في موازين القوى، كما عكستها التشكيلة الوزارية الجديدة، تمثل بحد ذاتها بداية تدحرج كرة الثلج، وتؤذن بمزيد من التحولات على صعيد موازين القوى الداخلية، بحيث أن عملية إعادة التموضع في الخارطة الحزبية في إسرائيل ستتواصل وستفرز حدوداً جديدة للسياسة الداخلية. لكن هذه التحولات لا تضمن حدوث تغييراً على صعيد السياسة الخارجية لإسرائيل بشكل عام، بل على العكس تماماً، فالتركيبة الحزبية والشخصية للحكومة الجديدة تمثل وصفة، ليس فقط لمواصلة سياسة الاستيطان والتهويد ورفض الاستجابة لمتطلبات تحقيق تسوية سياسية للصراع؛ بل إن هناك ما يدفع للاعتقاد أن إسرائيل في ظل الحكومة الجديدة ستكون أكثر انغماساً في مشاريع الاستيطان والتهويد، وأكثر تشدداً على صعيد العلاقة مع الفلسطينيين والعرب وأوضح استعداداً لخيار القوة في التعاطي مع إيران.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر