موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الدروز في اسرائيل عرب في الحقوق ..... يهود في الواجبات

مجلة وجهات نظر المصرية يوليو 2004

لشدة ما ألم به انفجر باكياً في مركز الشرطة بعد أن اقتيد إليه مكبلاً بالسلاسل. في الطريق من البار وحتى المركز باءت كل محاولته للاستفسار من الشرطي الذي ألقى القبض عليه عن الأسباب التي دفعته للإقدام على ما مثل هذا الإجراء ضده. الشرطي أبلغ رؤساءه أنه ألقى القبض على هذا الشاب بعد أن سمعه يتحدث في هاتفه النقال باللغة العربية، فظن أنه فدائي فلسطيني يعتزم تفجير نفسه في نزلاء البار، فألقى القبض عليه للتحقيق معه. سرعان ما أطلق سراح هذا الشاب " العربي "، بعد أن تبين أنه قائد لأحد أكثر ألوية المشاة في الجيش الإسرائيلي نخبوية. هذا ما حدث في ايلول من العام الماضي، في مدينة " نهاريا "، شمال اسرائيل،  للعقيد عماد فارس، الدرزي، الذي يقود لواء " جفعاتي ". هذا اللواء الذي أخذ على نفسه قمع الانتفاضة الفلسطينية في قطاع غزة. فعندما تنقل وسائل الاعلام خبر عملية اقتحام، أو قتل ، أو تدمير للمنازل، قام بها جيش الاحتلال في قطاع غزة، فبشكل تلقائي يعرف أن لواء " جفعاتي "، بقيادة العقيد عماد فارس، هو الذي نفذها. فهذا الشاب الذي تجاوز بقليل سن السادسة وثلاثين، لم تغفر حقيقة خدمته في صفوف الجيش الإسرائيلي ثمانية عشر عاما ً حتى الآن، فيقاد الى مخفر الشرطة لكونه تلفظ تلفظ بكلمات بالعربية في مكان كل من يتحدث فيه العربية يثير الشبهات. هذا أحد أعراض أزمة الهوية المتفاقمة التي يعيشها آلاف العرب الفلسطينيين من أبناء الطائفة الدرزية في الدولة العبرية. فمن ناحية يؤدي الدروز كل " الواجبات "، التي يؤديها اليهود لدولة إسرائيل، وعلى رأسها الخدمة الإجبارية في الجيش الإسرائيلي مع كل ما يقتضيه ذلك من التصادم مع أبناء شبعهم، ومن ناحية ثانية تتعامل الدولة العبرية مع الدروز كما تتعامل مع بقية العرب الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الخط الأخضر في كل ما يتعلق ب " حقوق المواطنة "، مع كل ما يعنيه هذا من اجحاف على كل المستويات.

وقد بدأ أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل يشعرون أن خدمتهم في الجيش الإسرائيلي، وهلاك المئات منهم في الحروب التي خاضتها إسرائيل  لم يقنع دائرة صنع القرار في الدولة العبرية بانصافهم ومساواتهم على الأقل باليهود الذين لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي، من أمثال أتباع التيار الديني الأرثوذكسي. إزاء هذا الواقع فأن الكثيرين من المثقفين الدروز أخذوا ينادون علناً برفض الخدمة الاجبارية في الجيش الاسرائيلي وحل إشكالية الهوية القومية للدروز في إسرائيل بإعادة الالتحام بالبعد القومي العربي والوطني الفلسطيني، لدرجة أن حسين عباس، هو درزي خدم في الجيش الإسرائيلي ثلاثين عاماً، حتى حصل على رتبة عميد يقول " أن ممارسة الاجراءات العنصرية ضد الدروز جعلتني أشعر بعد هذه الخدمة الطويلة في الجيش الإسرائيلي أني عربي رغم أنفي، ولذا فأني لن أجعل أياً من أبنائي يخدم في هذا الجيش مهما كان الثمن ".  ونحن سنحاول تسليط الأضواء على الأوضاع التي يحياها الدروز داخل إسرائيل، والتناقضات التي يعيشونها والصور التي تأخذها أزمة الهوية القومية لديهم، والتي وصفها أحد أدبائهم بأنها الأقسى في العالم بأسره.

جذور الأزمة:

في العام 1956 أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دفيد بن غورويون قراراً بصفته وزيراً للدفاع يلزم أبناء الطائفة الدرزية بالخدمة الإجبارية في الجيش الإسرائيلي،  ومنذ ذلك الوقت والشباب الدرزي يخدم في معظم وحدات الجيش الإسرائيلي المقاتلة. فلماذا وافق الدروز على دفع هذه الضريبة الدموية، وكيف استطاعت إسرائيل أن تقنع الدروز بعقد حلف الدم هذا معها؟. يقول سليمان الناطور، وهو كاتب وأديب درزي من ذوي التوجهات الوطنية والعروبية  " أن هذا يعود لكون الدروز اقلية هامشية، وقد أعتقد قادتها التقليديون أن هذا يتطلب منهم البحث عن جهة أجنبية تمنحهم الحماية من أجل البقاء". ويضيف الناطور " أن الخلافات المذهبية بين الفلسطينيين في ذلك الوقت لعبت دوراً كبيراً في خلق هذا الواقع، فالطائفة الدرزية هي طائفية مذهبية صغيرة تعيش في وسط إسلامي كبير لم يكن يرضى عن طقوسها وعاداتها الدينية، الأمر الذي تولد عن احتكاكات شعر الدروز على أثرها، بحاجة الى من يدعمهم في مواجهة الأغلبية الاسلامية". ويواصل الناطور " أن أقطاب الحركة الصهيونية فطنوا الى حقيقة الخلافات المذهبية بين الدروز وباقي العرب الفلسطينيين، فأتصلوا بهم من أجل تعميق هذه الخلافات وتشعيبها وأقاموا معهم علاقات حميمة، وقد برز من بين القادة الصهاينة في هذا المجال" أبا حوشن "،رئيس بلدية حيفا، في ذلك الوقت الذي أقنع الكثيرين من الدروز بالتعاون مع المنظمات الصهيونية العسكرية قبل الإعلان عن الدولة العبرية وخصوصاً " الهاجناة ". وبعد إقامة الدولة العبرية، صادرت الحكومة الإسرائيلية معظم الأراضي التي تعود للدروز، فحرموا من مصدر رزقهم الوحيد: الزراعة، وبذلك وجد الدروز في الخدمة في الجيش الإسرائيلي مصدراً للرزق ، حتى أن الكثيرين من القيادات الدرزية قد وقعت في العام 1955على عريضة تطالب الحكومة الإسرائيلية بفرض الخدمة الإجبارية على الدروز، وهذا ما كان في العام الثاني. وكما يقول الصحافي الدرزي هشام نفاع فقد أدت خدمة الدروز في الجيش الاسرائيلي  لعشرات السنين الى فقدان معظمهم للشعور بالانتماء للامة العربية والشعب الفلسطيني.

منهج تربوي خاص

عملت الدولة العبرية على قتل انتماء الدروز للعروبة والشعب الفلسطيني. فهم لا يعتبرون أن الدروز عرباً ولا فلسطينيين، وقد تواطأت قيادة الدروز التقليدية مع الدولة العبرية في ذلك. واصبحت القيادات الدرزية تشدد على أن الدروز اسرائيليين وكفى. لكن لم تقتصر جهود الصهاينة من أجل سلخ الدروز نهائيا عن قوميتهم العربية على التأثير فقط على القيادات التقليدية، بل قاموا باعداد خطة منهجية لقتل روح الانتماء بأسس تربوية محددة الأهداف، فألزموا الطلاب الدروز بتلقي مناهج تربوية خاصة، غير تلك التي يتلقاها بقية الطلاب العرب. وكما يضيف الصحافي هشام نفاع فأن هذه المناهج تهدف الى خلق الشعور لدى الطالب الدرزي أنه ينتمي الى طائفة مستقلة ولا يربطها بالعرب والفلسطينيين أي رابط. فقد درس هؤلاء الطلاب التاريخ الدرزي الذي يركز بشكل خاص على العلاقة التاريخية الخاصة بين الدروز ودولة اسرائيل. ومع أن العربية لغة الدروز، فقد درسوهم بما يسمى بالأدب الدرزي، حيث كانوا يقدمون الأديب والشاعر شكيب أرسلان على أنه أديب درزي فقط، وبالرغم من أنه أمير البيان العربي في العصر الحديث كما يقول نفاع، وكل هذا من أجل تعميق الشعور باستقلالية الهوية الدرزية. ويواصل نفاع قائلاً " لقد وصل الاستخفاف بوعي الدروز الى درجة أن أعدوا لهم مناهج خاصة بالعلوم والطبيعة، فتجد: " كيمياء الدروز"، و" فيزياء للدروز" …الخ. ويقول نكد نكد، عضو في "لجنة المبادرة العربية الدرزية، وهي أهم المنظمات الدرزية التي تطالب بالغاء الخدمة العسكرية الالزامية على الشبان الدروز إن "وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية تقوم عمليًا بتجهيز الدروز ليكونوا جزءًا من الجيش. ومنذ عشرين عامًا تفرض الوزارة خطة تعليمية تطلق عليها "المنهاج التعليمي الدرزيمضامينها عبارة عن كمية من المعلومات بدون مضمون مفيد. فعلى سبيل المثال يعلمون الأولاد ما يسمى بـ"التقاليد الدرزية معظم الحقائق التي يتم عرضها خلال دروس هذه المادة تعتبر تزييفـًا للتاريخ. كذلك لم تتردد الدولة نفسها في التدخل في قضايا دينية، حيث ألغت أعياد مسلمة احتفل بها الدروز، واخترعت أعياداً جديدة خاصة بالدروز". 

الدروز: مقاولو الأعمال القذرة

تفرض الخدمة الإلزامية على جميع الشبان الدرزي، باستثناء الذين تفرغوا للعبادة. وبعد انقضاء الخدمة الالزامية التي تمتد الى ثلاث سنوات، يواصل معظم الشباب الدرزي لدوافع اقتصادية الخدمة في الجيش. ويخدم الدروز بشكل خاص في ألوية المشاة المختارة المقاتلة. وقد وصل عدد كبير منهم نسبياً الى رتب عالية في الجيش، ويعتبر ارفع ضابط درزي في الجيش الإسرائيلي هو الجنرال يوسف مشلف، منسق شؤون الضفة الغربية وقطاع غزة في وزارة الدفاع الاسرائيلية وقد سبق له أن شغل منصب قائد الجبهة الداخلية. والى جانب الخدمة في الجيش، ينخرط الدروز في افرع الشرطة الاسرائيلية المختلفة، وخصوصا في شرطة " حرس الحدود"، حيث أن درزيا يقود هذه الشرطة حاليا، وهو الجنرال حسين فارس. ولزيادة الشعور بالكراهية والحقد المتبادل بين الدروز وبقية أبناء الشعب الفلسطيني، فقد تم استخدام الكثير من الشباب الدروزي في  الخدمة في هذا الفرع من افرع الشرطة الاسرائيلية، حيث أن  شرطة " حرس الحدود "، كانت ومازال لها الباع الطولى في قمع الفلسطينيين، حيث تنص التعليمات الصادرة لأفراد " حرس الحدود "، على التعامل بشكل مهين  وحتى سادي مع الفلسطينيين. ويرى الشيخ جمال معدي رئيس لجنة المبادرة الدرزية ان هدف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كان واضحا وهو توجيه نقمة الجماهير الفلسطينية الى غير عنوانها الصحيح، حيث تولد الانطباع أن الجندي الدرزي يقوم بالأعمال القذرة عبر أبراز الممارسات غير الأخلاقية لهؤلاء الجنود بأنهم ينفذون تعليمات وسياسة الحكومة الإسرائيلية. اللافت للنظر أن الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية تستعين بخدمات الدروز في المحاولات لتجنيد عملاء لها من بين الفلسطينيين، إلى جانب قيامهم بالتجسس على الدولة العربية. ففي أواسط الثمانينيات من القرن الماضي أصدر الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية بياناً أكدوا فيه أن عدداً من الممرضين الدروز الذين يعملون في السجون يربطون استعدادهم لتقديم الخدمات الطبية للمرضى من الأسرى وبين موافقة هؤلاء على التعاون مع المخابرات الإسرائيلية بحيث يتجسسوا على أخوانهم من قادة الأسرى. الى جانب ذلك فأن عدداً من الدروز الذي يعملون على المعابر الحدودية التي تفصل الضفة الغربية وقطاع غزة عن إسرائيل يساومون الفلسطينيين على منحهم التصاريح اللازمة لدخول الدولة العبرية بحيث يتم ربط  خدمة منح التصاريح بالموافقة على التعامل مع المخابرات الإسرائيلية. الممارسات المشينة للجنود الدروز ضد اخوانهم من فلسطينيي الضفة الغربية دفعت حركات المقاومة الفلسطينية الى حد التهديد بتنفيذ عمليات استشهادية في قلب التجمعات السكانية الدرزية. أما التجسس على الدول العربية وتنظيم شبكات تجسس فيها فيعتبر مثال عزام عزام المعتقل في مصر أحد أمثلتها.

" بيت جن "…… مثال الإجحاف الكبير

لكن التضحية بالإنتماء للعروبة لم يقنع قادة الدولة العبرية باستثناء الدروز من سياسة التمييز العنصري التي تمارسها ضد بقية الفلسطينيين داخل حدود 48. ويؤكد نزيه خير سكرتير اتحاد الكتاب العرب في إسرائيل وهو درزي أن إسرائيل قامت بمصادرة 70% من الأراضي التي يملكها الدروز، وأقامت عليها كيبتوتسات ومستوطنات زراعية لليهود. ويكاد يجمع قادة ومثقفو الطائفة الدرزية على ذكر ما يحدث الآن لقرية " بيت جن "، وهي القرية الدرزية التي فقدت أكبر عدد من أبنائها في حروب إسرائيل ضد العرب والفلسطينيين، حيث أن وزارة الاسكان الإسرائيلية، صادرت جميع الأراضي المحيطة بالقرية بحجة أنها تقع ضمن محميات طبيعية ومنعت بذلك أي فرصة لإستغلال هذا الأراضي بالزراعة والإسكان، حيث تعاني الأزواج الشابة في هذه القرية من ضائقة سكن خانقة، وفي مقابل ذلك يقول نفاع وهو من " بيت جن "، فأن القرى اليهودية تتوسع في كل اتجاه دون أن يعترض على ذلك أحد. ويلفت الشيخ جمال معدي الأنظار الى حقيقة أن هناك بوناً شاسعاً بين معدل الدخل السنوي لليهود والدروز. فمعدل دخل الفرد الشهري في بلدة " معلوت " اليهودية يصل الى أثني عشر الف شيكلاً (الفان وثمانمائة دولار )، بينما لا يتجاوز الالفي شيكل لدى جارتها الدرزية " حورفيش ". ويقول جهاد سعد، من قادة  "لجنة المبادرة العربية الدرزية" "إنني أشرح للدروز أن الادعاء الإسرائيلي بأنهم سيحصلون على حقوق أكثر من غيرهم إذا خدموا في الجيش غير صحيحة. نعرف أن هناك قرى عربية في إسرائيل لا يخدم أبناؤها في الجيش الإسرائيلي وتعيش أوضاعًا اجتماعية واقتصادية أفضل بكثير من القرى الدرزية".  ويقول نهاد ملحم، عضو حركة " المعروفيون الأحرار "، وهي حركة تناضل ضد الخدمة الاجبارية للشبان الدروز من قرية كفر ياسيف: "إن المشكلة المركزية هي إقناع الشبان بأنه يمكن التحرر من الاتكال على الجيش، إذ من الصعب إقناع أولئك الذين يعتمدون على الجيش كمصدر رزقهم بذلك، دون توفير بدائل أخرى. يتوجب احداث التغيير عبر التربية. علينا أن نعلم أولادنا بأن يختاروا الدراسة الأكاديمية بدل الخدمة العسكرية وتشجيعهم على عدم الاتكال اقتصاديًا على الجيش.


 استثناء من مؤسسات الدولة

وعلى الرغم من الحديث عن الشراكة في الدم بين اليهود والدروز،فأن إسرائيل قد استثنت الدروز من العمل في مؤسسات الدولة الهامة في الدولة العبرية. وبأستثناء مرة واحدة ولحسابات سياسية محضة، فلم يحدث أن تم تعيين درزي في منصب وزير، في حين لم  يحدث أن تم تعيين درزي في منصب مدير عام أو قاض في المحكمة العليا، وحتى بعد أن خدم الدروز لعشرات السنين في صفوف الجيش الإسرائيلي، وأثبتوا إخلاصهم للدولة اليهودية، إلا أن هيئة أركان الجيش ترفض تجنيدهم في بعض أفرع الجيش مثل سلاح الجو، أو الإستخبارات العسكرية، أو صفوف المخابرات العامة. ويؤكد المعلق العسكري لصحيفة " هارتس " زئيف شيف أن المؤسسة العسكرية لازالت تتعامل مع الدروز بصفتهم عرباً. ويتحدث فؤاد داهش، وهو طالب درزي في جامعة حيفا بمرارة عن تردي أوضاع الدروز. ويقول أن الدروز لم يستفيدوا من خدمتهم في الجيش الإسرائيلي على صعيد الرقي بإبنائهم ورفع مستوى معيشتهم، ويكفي أن نعلم أن الدروز هم أقل الطوائف العربية تمثيلاً في الجامعات، مع أن فؤاد نفسه رفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي لأسباب ضميرية، وبقي فترة طويلة في السجن بسبب هذا الموقف.

نظرة عنصرية

عندما سأل أحد الصحافيين الحاخام مئير كهانا الزعيم الهالك لحركة " كاخ " المتطرفة، التي تدعو الى طرد جميع العرب إلى خارج حدود فلسطين " هل تطالب بطرد أبناء الطائفة الدرزية من اسرائيل على الرغم من خدمتهم في الجيش الإسرائيلي؟ "، فرد كهانا بكل  ثقة " نعم، ولكننا سنحرص على توفير حافلات مكيفة لهم أثناء الطرد".وقد أمتدت الممارسات العنصرية ضد الدروز لتصبح ملاحظة وجلية في كل المجالات، حتى في الجيش، والتي تدعي اسرائيل أنه " البوتقة " التي انصهر فيها الدروز واليهود. فقد قالت ضابطة يهودية كبيرة في الجيش الإسرائيلي مؤخراً أن السبب الذي دفع إسرائيل لتجنيد الدروز وهو من أجل منعهم من الإنضمام لصفوف حماس والجهاد الاسلامي. وقد رفض أحد الضباط أن يستقل جندي درزي سيارته بحجة أنه " عربي قذر "، كما أن شركة الطيران الإسرائيلية الحكومية "آل عال "، رفضت أن يجلس ضابط درزي في أركان الطائرة بحجة أنه يمثل خطراً على يجلسون حوله من الركاب.وأفردت الصحف العبرية  مساحات كبيرة للحديث عن الأساليب العنصرية التي يتعرض لها الجنود الدروز الذين يلقى بهم في السجون العسكرية بسبب تجاوزات انضباطية.

 

حساب النفس

الدكتور أسعد غانم المحاضر في جامعة حيفا يعتبر أن الحالة الدرزية تجسد أقصى درجات الضياع الوطني والقومي. فالدروز في إسرائيل تحدوا أبناء شعبهم وأمتهم من أجل الحصول على إمتيازات مادية قد تحققها خدمتهم في الجيش، لكنهم وجدوا انفسهم ضحايا لنفس السياسة العنصرية التي يتعرض لها سائر العرب في إسرائيل. وحسب أقوال حاتم حلبي، عضو لجنة " المعروفيون الأحرار "، التي تناضل ضد خدمة الدروز في الجيش الإسرائيلي فإن "إلزام الدروز في إسرائيل بالخدمة العسكرية أتت للفصل بين الدروز وغيرهم من الفلسطينيين من ناحية، وبينهم وبين الدروز في سوريا ولبنان". ويضيف " من المؤسف أن المؤسسة الإسرائيلية نجحت إلى حد ما في ذلك. إسرائيل تريد أن تجعل الدروز جزءاً من الصراع العربي الإسرائيلي وزعزعة استقرار المنطقة. الدروز في إسرائيل هم الأضعف بين الطوائف الأخرى وقامت إسرائيل باستغلال ذلك لخدمة مصالحها الخاصة". ويواصل حلبي قائلاً  "الموضوع بمجمله مادي إذ أن هناك محاولات لتحويل أبناء الطائفة الدرزية إلى متعلقين بالاقتصاد الإسرائيلي. مصدر الرزق الوحيد لـ27% من أبناء الطائفة الدرزية هو الجيش الإسرائيلي. ويأتي هذا على حساب التعليم الأكاديمي، وبلورة الهوية القومية وشعور الانتماء للشعب الفلسطيني والعربي". ومن ناحيته يشن سلمان الناطور هجوماً حاداً على القيادة التقليدية للدروز التي وافقت على خدمة الشباب الدرزي في الجيش الإسرائيلي من أجل مكتسبات على صعيد الخدمات، ويقول" اذا كانت إسرائيل دولة ديموقراطية فأن كل مواطنيها يجب أن يتمتعوا بالحقوق المدنية مادام يدفعون الضرائب". ويحمل الصحافي هشام نفاع على قيادة الطائفة الدرزية التي قادت أبنائها الى هذا الوقع البائس. ويتساءل " ترى لو حدث سلام بين إسرائيل والدول العربية، فماذا سيقول دروز اسرائيل لإخوانهم الدورز في الجولان وسوريا ولبنان". ويضيف " أن خدمة الشباب الدرزي في الجيش الإسرائيلي عار يلطخ شرف كل الدروز أينما كانوا وحيثما حلوا".وقد تبين أن عملية حساب النفس الجادة والعميقة آتت أكلها في أوساط الشباب الدرزي. ففي مطلع حزيران، يونيو الماضي، أصيبت دوائر صنع القرار في الدولة العبرية،، والقيادة الدرزية التقليدية المتواطأة معها بالصدمة جراء الكشف عن نتائج دراسة أجرتها لجنة المبادرة الدرزية، وتبين من خلالها أن 40% من الشباب الدرزي يرفضون أداء الخدمة العسكرية الإلزامية في صفوف جيش الاحتلال. وأكدت الدراسة التي اعتمدت على استطلاع رأي واسع في صفوف الشباب الدرزي، أن الشباب الدرزي أصبح على إستعداد للتصريح بأنه عربي فلسطيني ويرفض الخدمة العسكرية، مع كل ما يترتب على ذلك من اعتقال في سجون الشرطة العسكرية لجيش الاحتلال. وحسب الدراسة فأنه يمكن في كل أسبوع العثور في السجون العسكرية على 30 سجينـًا درزيًا رافضًا للخدمة العسكرية و30 متهربـًا من صفوف الجيش لأسباب مبدئية أو ضميرية أو اقتصادية. ويتم الإفراج عن خمسة إلى عشرة سجناء دروز، شهريًا. والمنظمات و الجمعيات واللجان الدرزية الأهلية التي تشجع رفض خدمة الشبان الدروز في الجيش الإسرائيلي تتزايد في الآونة الأخيرة وتعمل بشكل مكشوف. وقد أقيمت "لجنة المبادرة الدرزية العربية" في العام 1972، وهي واحدة من ثلاث تنظيمات تمارس نشاطات في هذا المجال. كذلك تنشط في هذا المجال حركة "المعروفيون الأحرارالتي أقيمت خلال الانتفاضة الأخيرة. وتأخذ الحركات المختلفة على نفسها مسؤولية تغيير قانون الخدمة العسكرية الإلزامية للدروز، الذي أصبح ساري المفعول في العام 1956، وتحويله إلى خدمة اختيارية.وحسب معطيات حركة "المعروفيون الأحرار" فإن عدد الرافضين للخدمة تتزايد بشكل مستمر، وقد سجل في قرية البقيعة وحدها، 70 رافضًا جديدًا للخدمة العسكرية في الشهرين الأخيرين، فقط.ويقول أحد الشبان الدروز الذي حصل مؤخرًا على إعفاء من الخدمة العسكرية، ويدعى صقر نفاع وهو من سكان قرية بيت جن: "أرفض الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي بدوافع قومية. إنني عربي فلسطيني وغير مستعد لأن أكون جزءًا من الإرهاب العسكري الممارس على الفلسطينيين. كذلك لدي أقارب في سوريا ولبنان وأنا أنتمي إليهم وجزء منهم". وتلقى صقر في السنتين الأخيرتين أوامر بالمثول من أجل التجند للجيش في دائرة التجنيد في حيفا. ويقول صقر: "بعد سنة ونصف من إرسال الرسائل، أخبرتهم أنني غير معني بتأدية الخدمة العسكرية. لقد أعطوني مهلة زمنية للتفكير، وحذروني من أنه قد يتم اعتقالي إذا لم أتجند للجيش. لم أفكر مرتين، بل قمت بتسليم نفسي لأقرب محطة شرطة وسجنت خمس مرات، حيث بلغ عدد أيام السجن 84 يومًا، خلال ستة أشهر".ويضيف صقر نفاع أن الكثيرين حاولوا ثنيه عن قراره، لكنه كان يرد عليهم بأن إسرائيل دولة عنصرية لا تعطي حقوقـًا متساوية للأقلية العربية فيها. ويضيف أن السجن قوى عزيمته، فقد التقى بجنود ندموا على خدمتهم في الجيش الإسرائيلي، فضلا عن تشجيعه من قبل  رافضي الخدمة اليهود الذين مكثوا في السجن، أيضًا. ويتابع صقر نفاع سرد حكايته قائلاً "بعد سجني 56 يومًا، قاموا بتحويلي إلى لجنة لفحص قضية رفضي تأدية الخدمة العسكرية. عندما أخبرتهم أنني عربي قبل كل شيء ولا أريد الخدمة في الجيش، كان من الصعب عليهم تصديق ما سمعوا، وقالوا إنهم يعتبرونني درزيًا. وقد طلبوا مني تقديم وثائق تثبت أنني عربي فأخبرتهم أنه لا توجد لدي وثائق كهذه، فأعادوني إلى السجن !!!!..واقتنعت لجنة الإعفاء في نهاية الأمر أنني غير ملائم للخدمة في الجيش وحصلت على إعفاء". . ويقول والد نفاع الذي سبق له أن خدم في جيش الاحتلال لمدة ثلاث سنوات "إنني فخور بولدي لأنه فعل ما لم أقدر أنا على فعله".ويضيف  الأب أنه مقتنع تمامًا بأن رفض الخدمة العسكرية من ناحية الدروز يختلف عن دوافعه لدى اليهود ويقول في هذا الصدد: "رفضنا يأتي على خلفية قومية، فنحن فلسطينيون ولا نوافق على قتال أبناء الشعب الفلسطيني. رافضو الخدمة اليهود يرفضون أن يكونوا جزءًا من جيش يمارس القمع ضد شعب آخر. لكن ظاهرة رفض الخدمة لديهم عززت موقفنا".. وقبل عامين عقد مؤتمرًا لرافضي الخدمة العسكرية الدروز في قرية يركا في الجليل، حضره ألف من مؤيدي رفض الخدمة العسكرية، بينهم أعضاء كنيست ورجال دين. وتم في المؤتمر المذكور الذي نظمته "لجنة المبادرة العربية الدرزيةجمع عشرة آلاف توقيع مؤيدة لرفض الخدمة. وتقول اللجنة الآن أن هذا العدد الآن أكبر بكثير. ومن ناحيته يؤكد نكد نكد أن "هناك عدداً  لا بأس به من الشباب الدروز المستعدين لفعل أي شيء كي لا يخدموا في الجيش. لقد تحول الكثير منهم إلى متدينين، حيث يعفى الذين يتفرغون للعبادة من الخدمة بالجيش، حاول بعضهم الانتحار، وتظاهر البعض الآخر بأنهم مجانين ليحصلوا على إعفاء. الكثير من الذين يرفضون الخدمة في الجيش أو يتركونه يفعلون ذلك بدوافع اقتصادية أو ضميرية أو قومية، وبرأيي فإن هذه الظاهرة آخذة بالاتساع. ويضيف أنه "يوجد اليوم انفتاح أكبر في المجتمع الدرزي تجاه رافضي الخدمة، إذ بدأ الأشخاص يفهمون أن الطائفة الدرزية تدفع بدمها ولا تحصل على شيء في المقابل. الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي جلبت للدروز العار. بعض الدروز في الجولان وكذلك الفلسطينيين يقولون إن الدروز خائنين. سمعت هذه الكلمة التي تثير القشعريرة أكثر من مرة". 

 

التوجه لمحكمة العدل الدولية


في العام 2000، شارك مندوبون عن "المعروفيون الأحرار" في مؤتمر في العاصمة الأردنية، عمان، شارك فيه دروز من سوريا ولبنان. وقال حاتم حلبي، عضو اللجنة، من عسفيا: "لقد سمعنا تحفظات إخواننا في سوريا ولبنان بشأن خدمة الدروز في الجيش الإسرائيلي، فأوضحنا لهم أن الخدمة إلزامية".  ونظراً لعنصرية مؤسسات القضاء في الدولة العبرية، فأن قادة الحركات الوطنية في أوساط الدروز، يدرسون فكرة التوجه الى محكمة الدولية في لاهاي، وإقحام المجتمع الدولي في قضيتهم. ويشير حلبي إلى أن الدول في العالم لا تلزم الأقليات فيها بالخدمة العسكرية، خاصة إذا كان القتال ضد شعبهم المحتل.

وسائل الاعلام الإسرائيلية تتواطأ مع الطبقة الحاكمة في عدم تغطية رفض الخدمة في صفوف الشبان الدروز، حتى لا تتسع الظاهرة أكثر. ويقول  سعيد نفاع، رئيس حركة "المعروفيون الأحرار" إن "هناك تجاهلا ً إعلاميًا مطلقـًا لظاهرة رفض الخدمة العسكرية في المجتمع الدرزي.

خلاصة

يعيش الفلسطينيون العرب من أبناء الطائفة الدرزية أزمة هوية ، لعبت قيادتها التقليدية دوراً هاماً في تفاقمها، لكن كل الشواهد تؤكد أن بوادر نهوض قومي ووطني تنمو في أوساط هؤلاء، بعدما ذاقوا ويلات وتبعات الولاء والانتماء المزيف للدولة العبرية. وقد أجاد خليل أسعد، وهو درزي ترقى في المناصب في الجيش الإسرائيلي حتى رتبة عميد، عندما قال "ما العمل فالدروز في اسرائيل سيبقون عربا في الحقوق يهودا في الواجبات"

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر