موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
يعلون وإعادة الاعتبار لعقيدة " لسع الوعي الجمعي " للعرب

إن أكثر ما سيؤثر على السلوك العسكري الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين والعرب في ظل الحكومة الجديدة برئاسة نتنياهو هو تعيين موشيه "بوغي" يعلون وزيراً للدفاع. فنتنياهو محاصر بالاستقطاب اليميني؛ وشريكاه الرئيسيان في الحكم، بنت ولبيد، ليسا من ذوي الخلفيات العسكرية الغنية. توفر هكذا بيئة حكومية فرصة مناسبة لتمكين يعلون من وضع مبادئه في التعاطي العسكري مع العرب موضع التنفيذ. ويؤمن يعلون، الذي قاد يوماً وحدة "سييرت متكال"، المسؤولة عن تنفيذ عمليات الاغتيال في عمق البلدان العربية، وتولى قيادة شعبة الاستخبارات ورئاسة هيئة الأركان العامة للجيش، بعقيدة "لسع الوعي الجمعي للعرب" عبر استخدام القوة. وحسب هذه العقيدة التي نظَّر لها في كتابه "درب قصير طويل"، الذي أصدره قبل عامين، يرى يعلون أن القوة وحدها هي سبيل إقناع العرب بالتسليم بوجود إسرائيل في المنطقة، و"ما لم يمكن تحقيقه بالقوة يتحقق بمزيد من القوة". من هنا، فإنه من المتوقع على نطاق واسع أن تتجه الحكومة الجديدة لتصعيد عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين، تحت أي مسوغ.

أمام ساحات أخرى

ما قد يؤخر تطبيق هذه السياسة هو تفاقم الوضع في سوريا واحتمال أن تطال الأزمة السورية الأمن الإسرائيلي بصورة أو أخرى، وهو ما يعني استدعاء عقيدة " لسع الوعي " أمام الجهات التي قد تخلف نظام الأسد. وفيما يتعلق بمستقبل المواجهة مع إيران، تعي الحكومة الإسرائيلية أنه ليس بوسعها  تجاهل معطيات البيئة الدولية والإقليمية، وعلى وجه الخصوص موقف الولايات المتحدة المتحفظ على خيار استخدام القوة المسلحة تجاه المشروع النووي الإيراني. وفي الوقت ذاته، فإن النخبة السياسية الحاكمة تدرك أن هناك اختلافا داخل المستويات العسكرية بشأن فرص نجاح أية ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية وجدواها على المدى البعيد. ومع ذلك، فإن نتنياهو تحديداً يرى في القضاء على المشروع النووي الإيراني مشروع حياته، كما يروي مقربوه، على اعتبار إن أحد انجازات هذه الخطوة هو لسع الوعي الجمعي للعرب قبل إيران.

الهدف مصر وتركيا

 يؤمن نتنياهو أن السماح بامتلاك ايران سلاح نووي يعني حدوث سباق نووي يجعل دول عربية وإسلامية قادرة على امتلاك هذا السلاح، سيما مصر وتركيا، حيث أنه لن يكون بوسع العالم التشكيك في شرعية حصول هاتين الدولتين على السلاح النووي. وما يرجح خيار الحرب داخل اسرائيل ان هناك أغلبية واضحة داخل الحكومة الإسرائيلية الجديدة لتأييد خيار القوة المسلحة ضد إيران، في حال لم تنجح العقوبات الاقتصادية والحرب السرية القائمة على توظيف الحرب الإلكترونية في اقناع القيادة الأمريكية بالعدول عن مواصلة تطوير البرنامج النووي.

تعاظم الاستيطان

  وفيما يتعلق بالتعاطي مع الفلسطينيين، فإنه لا خلاف بين مركبات الحكومة الجديدة الرئيسة، ( الليكود وييش عتيد والبيت اليهودي)، على أن مضاعفة وتيرة الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية والقدس المحتلة، ستكون على رأس أولويات الحكومة القادمة، مع وجود اختلافات ثانوية. يدافع حزب "ييش عتيد"، الذي عقد مؤتمره التأسيسي الأول في مستوطنة "أرئيل"  ثاني أكبر المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، عن حق المستوطنين في البناء في التجمعات الاستيطانية الكبيرة، كما يؤيد المشاريع التهويدية في القدس. وفي المقابل، يطالب حزب "البيت اليهودي"، الذي يعتبر معظم قادته من المستوطنين، بأن تزيد الحكومة من وتيرة البناء حتى في المستوطنات النائية، التي لا تضمها التجمعات الكبيرة. وبخلاف حزب "ييش عتيد"، حرص "البيت اليهودي" على الظفر بالحقائب الوزارية التي تمكنه من تطبيق أجندته بشأن الاستيطانمن الواضح أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستقلص ما تبقى من هامش مناورة أمام قيادة السلطة الفلسطينية، وتدفعها إلى خيارات صعبة. فعلى الرغم من الضغوط المكثفة التي تتعرض لها السلطة الفلسطينية حالياً من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا يمكنها العودة للمفاوضات في ظل تواصل الاستيطان والتهويد. لقد ألزم الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، نفسه أمام شعبه وأمام العالم بعدم الموافقة على استئناف المفاوضات ما لم تلتزم إسرائيل بوقف الاستيطان، وهذا الشرط لا يمكن أن يتوفر في ظل تركيبة الحكومة الإسرائيلية الجديدة. وما يزيد الأمور تعقيداً أن تعاظم الاستيطان والتهويد يترافق مع حملات اعتداءات تنفذها مجموعات من المستوطنين اليهود ضد الفلسطينيين في أرجاء الضفة الغربية، دون أن تتمكن السلطة الفلسطينية من تحريك ساكناً.

انتفاضة ثالثة

ليس هذا فحسب، بل إن السلطة الفلسطينية ملزمة بالاستمرار في التعاون الأمني مع إسرائيل. وفي الوقت نفسه، فإن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل تمارسا ضغوطاً كبيرة على قيادة السلطة لعدم تحقيق مصالحة وطنية تنهي حالة الانقسام الداخلي، وهو ما اعترفت به صراحة قيادات في حركة "فتح". كما يخشى فإن عباس أن يؤدي قطع التعاون الأمني مع إسرائيل والتوجه للمصالحة مع حركة حماس إلى اتخاذ قرار أمريكي وأوروبي بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية، مما سيؤدي إلى مزيد من التدهور للأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية. ومن المحتمل أن يدفع انسداد الأفق السياسي والتدهور الاقتصادي والتوسع الذي يمارسه المستوطنون الفلسطينيين نحو ردة فعل جماهيرية قد تصل إلى حد اندلاع انتفاضة ثالثة، تعيد خلط الأوراق في المشهد الفلسطيني والعلاقة مع إسرائيل بشكل كبير.

قصارى القول، الحكومة الجديدة في إسرائيل ستواصل الاستيطان والتهويد وستكون أكثر استعداداً للضغط على الزناد.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر