موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل عندما ترثي " حلف الأطراف ": تركيا مثالاً

بدت التطورات الأخيرة على صعيد العلاقة التركية الإسرائيلية ظاهرياً مفاجئة وغير متوقعة، إذ إن موافقة إسرائيل على الاعتذار لتركيا على مقتل مواطنيها التسعة خلال أحداث أسطول الحرية في أواخر أيار 2010، قد جاءت في ذروة الغضب الإسرائيلي من التصريحات التي أطلقها رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان والتي اعتبر فيها الصهيونية " جريمة ضد الإنسانية ". لقد طرحت الكثير من التساؤلات حول الدوافع والظروف التي حدت بكل من إسرائيل والولايات المتحدة لمحاولة إغلاق هذا الملف وطابع المسوغات التي أملت على تركيا الاستجابة لهذه المحاولة، ومدى  هذا التطور في التأثير على مستقبل العلاقات بين الجانبين وعلى البيئة الإقليمية برمتها.

العلاقة مع تركيا في ضوء إستراتيجية بن غوريون

     على مدى عقود كانت تركيا أوثق حلفاء إسرائيل في المنطقة، حيث استندت العلاقة بين الجانبين إلى  مبدأ " حلف الأطراف "، الذي أرسى قواعده رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دفيد بن غوريون. لقد استغلت إسرائيل التوتر في العلاقة التركية العربية، ونجحت في بناء علاقات ذات طابع إستراتيجي، عوضتها عن العزلة الإقليمية الناجمة بشكل أساسي عن حالة الصراع الدائر مع الدول العربي. إن هناك ما يدلل على إنه منذ البداية قبلت تركيا بالدونية في العلاقة مع إسرائيل؛ وكانت تل أبيب تحديداً هي التي حظيت بنصيب الأسد من العوائد الإستراتيجية لهذه العلاقة. لقد انطلقت النخب العلمانية التي توالت على حكم تركيا، سواءً العسكرية أو المدنية من افتراض مفاده أن تعزيز العلاقة مع الغرب وتحديداً مع الولايات المتحدة يستدعي ابتداءً توثيق العلاقة مع إسرائيل. وبفضل هذه العلاقة، تعاظم التعاون الاستخباري والأمني بين الجانبين. فقد ساعدت تركيا إسرائيل لعقود على جمع المعلومات الاستخبارية سواءً من داخل تركيا أو إنطلاقاً منها؛ ليس هذا فحسب، بل إن تركيا مكنت الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية من زرع مجسات وأجهزة رادار ومراقبة على الحدود مع إيرانوظلت تركيا أكبر مستورد للمنتجات العسكرية الإسرائيلية؛ حيث بلغ متوسط حجم ما تستورده أنقرة من السلاح سنوياً مليار دولار سنوياً؛ في حين تحولت أجواء تركيا ومياهها الإقليمية إلى ساحات تدريب لسلاحي الجو والبحرية الإسرائيلية، وقد وصل الأمر إلى حد إن تركيا كانت على استعداد لبيع المياه لإسرائيل.  وحتى عندما وصل أردوغان للحكم، فإنه حرص على الحفاظ على العلاقة مع إسرائيل وزارها، وزار مؤسسة ما يعرف بـ " الكارثة والبطولة " التي تخلد ذكرى اليهود الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية على أيدي النازيين، كما وقع وزراؤه على العديد من الصفقات في المجال الأمني والاقتصادي.

الدونية في العلاقة

 لقد أسهم البناء المشوه للعلاقة التركية الإسرائيلية في جعل سقف توقعات تل أبيب منها كبيراً جداً، وهذا تحديداً الذي يفسر التلكؤ الإسرائيلي في تقديم الاعتذار لأنقرة بعد مقتل نشطاء السلام الأتراك التسعة على ظهر السفينة مرمرة، والحساسية الكبيرة التي نظرت بها إسرائيل للانتقادات التي يوجها رئيس الوزراء التركي أردوغان للممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. ببساطة  لقد توقعت إسرائيل ألا تستند تركيا إلى أية منظومة قيمية في إدارة علاقتها معها. يقول تسفي بارئيل، الكاتب الإسرائيلي المتخصص في العلاقة التركية الإسرائيلية أن مماطلة إسرائيل في تقديم الاعتذار لتركيا وحساسيتها المفرطة للانتقادات " الطبيعية " لأردوغان ضد سلوك إسرائيل العنيف كدولة احتلال ضد الفلسطينيين " يرجع بشكل أساسي إلى الافتراض الذي هيمن على عقلية صناع القرار في تل أبيب والقائل بأنه يتوجب على تركيا  الخضوع لنزوات إسرائيل دائماً.

شيطنة أردوغان

إن هناك ما يؤشر على إن محاولات إسرائيل شيطنة أردوغان لا ترجع بالضرورة لمجرد توجيهه انتقادات ضد سلوك إسرائيل تجاه الفلسطينيين، بل لأنه تجرأ وبشكل حذر، على جعل الموقف من سلوك إسرائيل كدولة احتلال ضمن مجموعة المحددات التي تحكم هذه العلاقة ( وليس الوحيد ). إن الذي يدفع لهذا الاعتقاد هو أن أردوغان لم يكن أول قائد تركي يوجه انتقادات لاذعة لسلوك إسرائيل تجاه الفلسطينيين، فقد سبقه إلى ذلك زعماء علمانيون، فرئيس الوزراء التركي الأسبق العلماني بولانت أجاويد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون بـ " الإرهابي "؛ في حين أن الرئيس التركي الأسبق سلمان ديمريل ظل يحمل إسرائيل المسؤولية عن فشل جهود التسوية. ومن المؤكد إن الذي جعل إسرائيل لا تبدي حساسية  تجاه ملاحظات كل من أجاويد وديميريل هو حقيقة إن موقفهما من السلوك الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين لم يكن ضمن دائرة الاعتبارات الحقيقية التي حكمت تصورهما للعلاقة مع إسرائيل، بدليل إن العلاقات الإستراتيجية مع إسرائيل بلغت في عهديهما مستويات غير مسبوقة. وفي المقابل، فإن أردوغان كزعيم منتخب، وكقائد يمثل أيدلوجية مغايرة، وكما هو مقبول في العلاقات الدولية، ربط أردوغان بين مظاهر العلاقة مع إسرائيل وبين سلوكها تجاه تركيا نفسها وتجاه الفلسطينيين، فقام بتجميد العلاقات الدبلوماسية وأوقف الكثير من مظاهر التعاون الأمني والإستراتيجي بين الجانبين بعد مقتل النشطاء الأتراك، وانتقد بشكل لاذع سياساتها تجاه الفلسطينيين، وعزز العلاقة مع حركة حماس، التي تصنف إسرائيلياً وأمريكياً وأوروبياً على أنها منظمة " إرهابية ".

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر