موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
تبادل أراضي؟... الإسرائيليون إذ يملون التنازلات العربية

بينما كان الإرهاق يبدو على وجوه جنود الاحتلال الأربعة الذين كانوا يحرسون الموقع، كانت مجموعة من المستوطنين اليهود تقوم بتثبيت عدداً من البيوت المتنقلة على إحدى التلال الواقعة جنوب مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية، ليدشنوا بذلك بؤرة استيطانية جديدة على أراضي تعود لمواطنين فلسطينيين يقطنون في قرية " بورين " القريبة. جاءت هذه المجموعة من المستوطنين من مستوطنة " يتسهار "، القريبة، والبؤرة الجديدة تعتبر ثالث بؤرة يقيمها المستوطنون في المكان، تحت حماية جيش الاحتلال، على الرغم من إنهم لم يحصلون على ترخيص بإقامتها. وحسب الحاخام آفي جونسكي، وهو ضابط في الاحتياط برتبة جنرال، كان يشغل منصب الحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي، ويقطن في المستوطنة فإنه لا يوجد أي سبب يدفع المستوطنين للتوقف عن مواصلة إقامة المزيد من المستوطنات في المكان، على اعتبار إن " هذه جزء من أرض إسرائيل التي عدنا إليها بعد ألفي عام في الشتات "، على حد قوله. إن الأنشطة الاستيطانية تتواصل في أرجاء الضفة الغربية في الوقت الذي يحتدم فيه الجدل داخل إسرائيل حول ما تطلق عليه الصحافة الإسرائيلية " تنازل عربي غير مسبوق " عبرت عنه موافقة الجامعة العربية على فكرة تبادل الأراضي، والتي تعني موافقة الجامعة العربية على ضم التجمعات الاستيطانية اليهودية في أرجاء الضفة الغربية لإسرائيل مقابل ضم مساحة من إسرائيل للدولة الفلسطينية.

الرفض والتشكيك

 باستثناء قوى اليسار الصهيوني، ذات الحضور السياسي الهزيل، فإن معظم الأحزاب والحركات السياسية الإسرائيلية، إما إنها تجاهلت الموقف العربي الجديد، أو رفضته وشككت فيه. وكان من اللافت حقاً موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي سارع إلى إرسال مستشاره الخاص إسحاق مولخو إلى واشنطن في مسعى لثني وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن تبني المبادرة العربية بعد التعديلات الأخيرة. وقد كان نائب وزير الخارجية الإسرائيلي زئيف إلكين، القيادي النافذ في حزب الليكود أكثر وضوحاً في التعبير عن رفض الحكومة الإسرائيلية للموقف العربي الجديد. وفي مقابلة أجرتها معه الإذاعة العبرية صباح الجمعة الماضي قال إلكين إن خارطة المصالح الإسرائيلية في الضفة الغربية " أوسع بكثير من التجمعات الاستيطانية، وإسرائيل لا يمكنها التنازل عن بقية الضفة الغربية، كما يطالب العرب ". ليس هذا فحسب، بل إن إلكين أكد إن إسرائيل سترفض بكل قوة أية شروط فلسطينية مسبقة، في إشارة إلى مطالبة السلطة الفلسطينية بوقف الاستيطان وعمليات التهويد في القدس ". وقد كان من الملاحظ إلترحيب المشروط الذي عبر عنه بعض الساسة الإسرائيليين بالموقف العربي الجديد، حيث استغل هؤلاء المرونة العربية في محاولة إثارة الرأي العام الفلسطيني ضد الجامعة العربية. فالوزير الإسرائيلي عوزي لانداو، الذي ينتمي لحزب " إسرائيل بيتنا " اليميني عبر عن ترحيبه بالموقف العربي بشكل إن تتم مبادرة التجمعات الاستيطانية اليهودية بمنطقة " المثلث " التي تتواجد عليها المدن والبلدات التي يقطنه فيها المواطنون العرب في إسرائيل. وحسب لانداو، الذي كان يتحدث أمام اجتماع لحزبه، فإنه في حال قبل العرب بذلك، فإن إسرائيل تحقق انجازين أساسيين، وهما: ضم التجمعات الاستيطانية، والتخلص من الثقل الديموغرافي للفلسطينيين داخل إسرائيل. ومما يزيد الأمور تعقيداً أمام الجامعة العربية، حقيقة إن نواباً في حزب الليكود يعكفون حالياً على إعداد مشروع قانون لتقديمه للكنيست يلزم الحكومة بإجراء استفتاء شعبي عام قبل إقرار أي تسوية سياسية للصراع مع الفلسطينيين، وذلك على أساس إن سن مثل هذا القانون يقلص من هامش المناورة أمام النخبة السياسية الحاكمة.

تعزيز الاستيطان

ومن المفارقة إنه في الوقت الذي يحتدم فيه الجدل داخل العالم العربي وإسرائيل بشأن المرونة العربية الأخيرة، فإن وزير الأسكان الإسرائيلي الجديد أوري أرئيل قد أكد إن مشروع موازنة الدولة للعام 2014 ستتضمن إضافة المزيد من المخصصات لتعزيز الاستيطان اليهودي في جميع أرجاء الضفة الغربية والقدس. أرئيل، الذي ينتمي لحزب " البيت اليهودي "، والذي سبق أن تولى شخصياً منصب رئيس مجلس المستوطنات في الضفة الغربية، قال في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي صباح الأحد الماضي إن الحديث عن أي مشروع تسوية يطرح لحل الصراع لا يمكن أن يؤدي إلى وقف وتيرة البناء في مستوطنات الضفة الغربية. وأضاف: " هناك المزيد من اليهود يقبلون على الإقامة في مستوطناتنا وهناك عائلات جديدة تنشأ هناك، يتوجب علينا أن نأخذ دوماً بعين الاعتبار متطلبات الزيادة الطبيعية في عدد المستوطنين ". ليس هذا فحسب، بل إن وزير الصناعة والتجارة نفتالي بنات قد كشف النقاب عن خطة لبناء المزيد من المناطق الصناعية في قلب المستوطنات اليهودية من أجل توفير آلاف فرص عمل جديدة من أجل جذب المزيد من اليهود للإقامة فيها. وخلال كلمة له ألقاها الخميس الماضي أمام مجموعة من الطلاب في مستوطنة " معاليه أدوميم "، الواقعة شمال شرق القدس المحتلة، قال بنات: " من الأهمية بمكان أن نظهر للعالم جديتنا بالتمسك بحقوقنا القومية والدينية في أرض إسرائيل وذلك من خلال تطوير هذه الأرض والعمل على ازدهارها، يتوجب على العالم إن يعي إننا جادون ليس فقط بالبقاء في هذه الأرض، بل أيضاً بتعزيز وجودنا هنا للأبد ".

" لا تزعجونا بالسلام "

لقد أثارت الردود الرسمية الإسرائيلية على المرونة العربية حفيظة المفكر الإسرائيلي إيال مجيد، الذي استهجن أن يأتي اليوم الذي " يستجدي " فيه العرب السلام، ويرفضه الإسرائيليون. وفي مقال نشرها في صحيفة " هارتس " في عددها الصادر الجمعة الماضي، قال مجيد إن إسرائيل تحاول فرض شروط مسبقة على الفلسطينيين والعرب لأنها غير جادة في التوصل لتسوية سياسية للصراع، مشيراً إلى إنه في كل مرة يستجيب العرب للشروط الإسرائيلية يقوم صناع القرار في تل أبيب بمحاولة إملاء مزيد من الشروط. ويضيف مجيد إن لسان حال  القادة الإسرائيليين يقول للعرب الذين يعرضون عليهم تنازلات: " أتركونا لحالنا لا تزعجونا بالحديث عن السلام، ليس لنا مصلحة في السلام، ليس ضرورياً لنا على الإطلاق وهو غير ذي صلة بحياتنا، ليس لدينا الوقت للاهتمام بما يقوله العرب البائسون الذين يمدون أياديهم ويتسولون "، على حد تعبيره.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر