موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
النكبة وحكاية فاطمة المأساوية

أشفقت على زوجها حسن الذي كان قد عاد في نفس الليلة من سفر طويل على ظهر جمل في رحلة تجارية امتدت اربعين يوماً، عندما استيقظت صباح ذلك اليوم الذي كان في أواخر مايو من العام 1948، ووجدت أن ابنتهما " غالية " التي تبلغ من العمر عامين، تعبث بشعر أبيها الطويل، بينما كان يغط في نوم عميق.  خشيت " فاطمة "  أن توقظ غالية والدها الذي كان يبلغ من العمر 23 عاماً، فحملتها الى بهو المنزل الطيني، تداعبها بينما كانت أشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ الخشبية الى أرجاء المنزل. بعد أن أنهت فاطمة التي كانت تبلغ في ذلك الوقت 19 عاماً ترتيب المنزل، قررت مفاجأة  زوجها بجلب بضع قطوف العنب من كرم العائلة الذي يقع على مسافة 500 متر من المنزل الذي يقع في قرية " الشويحي "، للغرب من مدينة " بئر السبع "، جنوب فلسطين التي كانت تقطنها أساساً بضع عشرات من العائلات البدوية التي استقرت في المنطقة منذ مئات السنين. وكما تروي فاطمة، فقد كانت هذه المرة الأولى التي يثمر كرم العنب.

سارت فاطمة التي كانت تتبعها  غالية صوب كرم العنب وسط مناظر الطبيعة الخلابة التي زادها روعة الهدوء الذي كان يخيم على تلك المنطقة، والذي لم يكسره إلا شقشقة العصافير، لكنها ما أن أصبحت على بعد بضع أمتار من الكرم، حتى أطلقت صرخة مدوية، إذ وجدت والد زوجها وشقيقه الأكبر مدرجين بدمائهما. اقتربت فاطمة وقد تملكتها الصدمة فوجدت أن كلاً منهما قد أصيب بعدة أعيرة نارية في منطقتي الرأس والصدر. رجعت للخلف وحملت ثريا وهي تهرول صارخة لإخبار زوجها وبقية افراد العائلة بما رأته، لكنها بينما كانت تقترب من منازل القرية، حتى شاهدت رجالها ونساءها وأطفالها يفرون هائمين على وجوههم بإتجاه الغرب. وبينما كانت تتقدم في ذهول إقترب منها اخوها  سلمان، وهو يحمل ابنته البكر " عايشة "، وابلغها أن أفراد عصابات " الهاغناة " الذراع العسكري للحركة الصهيونية يقومون بإطلاق النار على كل من يشاهدونه في المنطقة، وأن عليها مغادرة المنطقة غرباً صوب قطاع غزة الذي كان تحت الحكم المصري في ذلك الوقت. اتجهت فاطمة نحو منزلها، واخذت توقظ زوجها بسرعة، واخبرته بما حدث، بشكل هستيري، حاول حسن التوجه نحو كرم العنب لمعاينة جثتي والده وشقيقه، لكن فاطمة حالت بينه وذلك، واقنعته أنه سيحكم على نفسه وعليها وعلى ثريا بالموت أن تلكأ في مغادرة المنطقة صوب غزة التي تبعد مسافة 40 كلم. هذه التفاصيل روتها لكاتب هذه السطور، فاطمة  التي تبلغ حالياً من العمر 89 عاماً والتي تقطن في أحد مخيمات اللاجئين في قطاع غزة. ورغم اعتلال صحتها،إلا أن ذاكرة فاطمة لازالت قوية، وهي تذكر أنه قبل اليوم الذي قام فيه عناصر " الهاغناة " بتهجير الأهالي من قريتها كان حديث الناس في القرية عن المحصول الوفير وغير المسبوق للموسم الزراعي في القرية..

حكاية فاطمة تجسد الرواية المأساوية للنكبة...لكي لا ننسى ولا نغفر.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر