موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ما الذي يغري إسرائيل بالدفع نحو دويلة علوية في سوريا؟

على الرغم من الضبابية المتعمدة ومحاولة النأي بالنفس الظاهرية، فإن الهجمات التي نفذتها إسرائيل ضد أهداف داخل سوريا وفي محيط دمشق، وبالقرب من الحدود اللبنانية تدلل على إن تل أبيب تتبع إستراتيجية واضحة المعالم تجاه الأحداث في سوريا، وتشمل هذه الإستراتيجية تتضمن المركبين التاليين: تصفية مقدرات الدولة السياسية، والتأثير على شكل سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

معضلة غياب الإطار السلطوي

 على الرغم من إن موازين القوى ظلت تميل إلى جانب إسرائيل بشكل كبير، إلا إن ما لدى سوريا من منظومات أسلحة تقليدية وغير تقليدية، نظرت إليه دائرة صنع القرار في تل أبيب دوماً على إن بإمكانه أن تمثل خطراً إستراتيجياً على إسرائيل، حيث إن صواريخ سوريا بإمكانها أن تضرب إيلات في أقصى الجنوب  وكريات شمونا في أقصى الشمال. صحيح إن مخزون سوريا من السلاح، سيما الصواريخ بعيدة المدى كانت لدى النظام السوري منذ وقت بعيد، لكن سقوط النظام أو تفكك الدولة السورية يحمل في طياته مخاطر جمة، تتمثل في وقوع هذا السلاح في أيدي جماعات لا تمثل إطاراً سلطوياً، يصعب على إسرائيل ردعها وزجرها، على اعتبار إنها لا تمثل إطاراً سلطوياً بالإمكان تهديده لإنه لا يشعر بالتزام تجاه مؤسسات حكم منتظمة. ومما يزيد الأمور تعقيداً بالنسبة للإسرائيليين الحقائق الجيواستراتيجية، حيث إن المدن الكبرى والحواضر الإسرائيلية المهمة، والمرافق الاقتصادية والصناعية ذات الثقل الكبير تقع في مرمى النيران السورية، مما زاد من خطورة وقوع السلاح السوري في أيدي جماعات " غير سلطوية ". وعلى الرغم من إن إسرائيل ظلت تتذرع بأنها أقدمت على عمليات القصف لمنع نقل سلاح " كاسر للتوازن " لحزب الله، إلا إن هناك ما يدلل على إن التشبث بهذه الحجة يأتي من أجل توفير المسوغات لضرب مقومات الدولة السورية، في وقت تبدو فيه تل أبيب متأكدة إن نظام عائلة الأسد الذي ضمن هدوء الحدود لعقود يوشك على الانهيار والتلاشي. وهناك في إسرائيل من يرى إن لدى حزب الله وإيران وسائل " مبتكرة " لضمان إيصال السلاح النوعي لحزب الله، دون أن تتمكن إسرائيل من الإحاطة بذلك، بدليل إن لدى حزب الله صوايخ بعيدة كاسرة للتوازن منذ زمن بعيد.

الدولة الدرزية

تبدي إسرائيل من خلف الكواليس اهتماماً منقطع النظير بإمكانية تأثيرها على طابع صيغة الحكم التي تتبع سقوط نظام الأسد. إن السيناريو المفضل الذي تحبذه إسرائيل هو تفكك الدولة السورية إلى دويلات. وقد عبر عن هذا التوجه الجنرال عوزي ديان، الذي سبق له إن شغل منصب رئيس مجلس الأمن القومي، ورئس شعبة الاستخبارات العسكرية، حيث دعا إلى الدفع نحو تقسيم سوريا إلى أربع دويلات، سنية، علوية، كردية، درزية، وعبر عن أمنيته أن تكون الدولة الدرزية تقع على الحدود مباشرة مع إسرائيل، على اعتبار إنها ستكون الأكثر حرصاً على الحفاظ على أمن إسرائيل، مشيراً إلى أن القيادات الدرزية في الجولان وداخل إسرائيل المندمجة في قلب المؤسستين العسكرية والمدنية الإسرائيلية ستلعب دوراً مهماً في ترويض القيادات الدرزية السورية وتدفعها للتوصل لتفاهمات صامتة مع إسرائيل. ويرى ديان أهمية قصوى لوجود دولة درزية على الحدود مع إسرائيل على اعتبار إن هذه الدويلة ستتولى مهمة إبعاد مقاتلي الجماعات الإسلامية وتمنعهم من الوصول إلى هضبة الجولان لاتخاذها نقطة انطلاق للعمل ضد إسرائيل.

الدولة الكردية والعلوية

 ليس هذا فحسب، بل إن ديان ( ابن شقيق  وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق والاسطوري موشيه ديان القائد ) يرى إن وجود دولة كردية في سوريا يتيح لإسرائيل إقامة علاقات معها من أجل التأثير سلباً على تركيا في حال واصل أردوغان خطه المتشدد تجاه إسرائيل.

في إسرائيل يرون إن هناك احتمال كبير أن يسهم تشكيل دويلة علوية على الساحل اللبناني في تعزيز الأمن القومي الإسرائيلي، من خلال تطورين محتملين:

أولاً: مخاوف العلويين من السنة وانتقامهم سيدفعهم لتعزيز علاقاتهم مع قوى خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، مما يتيح لإسرائيل العمل بشكل " شرعي " داخل سوريا بعد سقوط نظام الأسد. ويذكرون في إسرائيل نموذج الموارنة في لبنان، حيث مكن الصراع الطائفي في لبنان إسرائيل من إقامة تحالف مهم مع الموارنة.

ثانياً: وجود دولة علوية في سوريا قد يعزز التوجهات الانفصالية للعلويين في تركيا، وهذا بحد ذاته مصلحة عليا لإسرائيل لإنه سيدفع تركيا لمشاكل من نوع يقلص من قدرتها على التفرغ للاهتمام بالصراع العربي الإسرائيلي.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر