موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل تحت حكم نخبة " أصحاب القبعات المزركشة "

لم يجاف ألوف بن رئيس تحرير صحيفة " هارتس " عندما وصف المستوطنين في أعقاب الإعلان عن نتائج الانتخابات الأخيرة بأنهم باتوا حكام إسرائيل الحقيقيين. لكن إزاء الحكم الفضفاض وغير المحدد، تبين إن المستوطنين، الذين تنتمي أغلبيتهم المطلقة لتيار الدينية الصهيونية باتوا يشكلون النخبة الإسرائيلية الجديدة بكل ما تعني الكلمة. ففي دراسة تأسيسية للباحث إيتمار كرمر تبين إن المتدينين الصهاينة باتوا يشكلون عماد النخبة الإسرائيلية ويحتكرون أدوات التأثير على المجتمع، وباتوا العنصر الرئيس المؤثر على الفضاء السياسي والإعلامي والعسكري والثقافي الإسرائيلي.

نخبة عسكرية جديدة

لم يكتف المستوطنون بأشكال العمل السياسي المختلفة لضمان تعاظم مكاسبهم، بل إنهم فطنوا إلى آليات عمل أخرى تضمن تقليص قدرة مؤسسات الحكم في تل أبيب على اتخاذ قرارات سيادية تمس المشروع الاستيطاني. لقد أدرك قادة المستوطنين الحساسية التي تنظر بها النخب الحاكمة لموقع الجيش، كالمؤسسة الضامنة لبقاء الكيان الإسرائيلي؛ فحثوا أبناءهم على اختراقه بشكل منهجي؛ وذلك في مسعى واضح لتوظيف هذا التغلغل في منع النخب السياسية الحاكمة من القيام بأية خطوة تهدد المشروع الاستيطاني. صحيح أنه من ناحية نظرية، فإن القيادة المدنية هي التي تتخذ القرارات السيادية، لكن التجربة دلت على أن المؤسسة الأمنية تحتفظ بتأثير كبير على طابع قرارات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من الصراع، لدرجة أن هناك من وصف إسرائيل بأنها: "جيش يملك دولة". فتقاليد الحكم في إسرائيل تسمح للمستوى العسكري باحتكار مهمة تقديم المشورة المهنية، التي على أساسها تتخذ الحكومات قراراتها بشأن القضايا الحساسة. من هنا، فقد أدركت المرجعيات الدينية للمستوطنين أهمية أن يكون لهم أكبر عدد من الممثلين في قيادة الجيش.

 

انقلاب الموازين

 لذا فبعد أن كانت هيئة أركان الجيش تضم فقط جنرالاً متدينًا واحدًا، هو الحاخام العسكري حتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي، فإن هناك حاليًا أحد عشر جنرالاً من أصل تسعة عشر يشكّلون هيئة أركان الجيش. إن ما عزز موقع المستوطنين في الجيش حقيقة تراجع الدافعية للخدمة في الوحدات القتالية لدى العلمانيين؛ وهو ما جعل الحكومات الإسرائيلية تُبدي اهتمامًا كبيرًا باسترضاء المستوطنين؛ الذين باتت الوحدات القتالية في الجيش تعتمد على أبنائهم في تنفيذ المهام العسكرية. ونظراً لأن المتدينين الصهاينة يعتمرون القبعات الدينية المزركشة، فإن النخب العسكرية الجديدة التي يمثلها المتدينون الصهاينة أصبح يطلق عليها " نخبة أصحاب القبعات المزركشة ".

إملاء حكم التوراة

 لقد أحسنت المرجعيات الدينية للمستوطنين توظيف الحساسية التي تنظر بها النخب الحاكمة لاستقرار الجيش، فدعت الجنرالات الضباط والجنود المتدينين إلى رفض تنفيذ أية تعليمات للحكومات الإسرائيلية بشأن إخلاء مستوطنات. ولهذا، فإن الحكومات الإسرائيلية تماطل حتى في تنفيذ قرارات المحكمة الإسرائيلية العليا التي نصت على إخلاء بعض الجيوب الاستيطانية، لأنها أقيمت بدون إذن الحكومة؛ خشية أن يؤدي الأمر إلى حدوث تمرد. والمفارقة أن قادة أحزاب وساسة ونخبًا ثقافية علمانية باتت تدافع عن حق الجنرالات والضباط المتدينين في رفض تعليمات المستوى السياسي الحاكم. فعلى سبيل المثال أيد نفتالي بنت زعيم الحزب اليهودي رفض الجنود تنفيذ أوامر الحكومة في حال طلبت منهم الإسهام في إخلاء مستوطنات، وانبرى للدفاع عن موقفه نخب علمانية من الوزن الثقيل، مثل الفقيه الدستوري روت جبيزون. إن هذا السبب دفع سياسيًا علمانيًا بارزًا، مثل وزير القضاء الأسبق يوسف لبيد إلى التعبير عن يأسه من إمكانية أن تنجح أية حكومة إسرائيلية في تمرير قرار بشأن إخلاء مستوطنات في الضفة الغربية.

يهددون استقرار النظام السياسي

لا يكتفي المستوطنون بتوظيف ثقلهم السياسي وتغلغلهم في الجيش من أجل الحفاظ على المشروع الاستيطاني، بل إنهم لا يترددون في تهديد استقرار النظام السياسي الإسرائيلي في حال شعروا بأن هناك أية محاولة للمسّ بهذا المشروع، وذلك عبر الدعوة لاستخدام القوة من أجل إثناء الحكومة عن اتخاذ أية قرارات تهدد هذا المشروع. فقد أدت الرصاصات التي أطلقها المستوطن إيغال عمير على صدر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين إلى إسدال الستار على أية إمكانية للتوصل لتسوية سياسية للصراع. لقد اغتال عمير رابين أواخر عام 1995؛ لأنه اعتقد أن رابين مستعد للتنازل عن الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967؛ وقد حقق عمير هدفه؛ حيث إن الانتخابات التي أُجريت بعد اغتيال رابين مباشرة، في صيف عام 1996 قد أدت إلى انتصار اليمين الإسرائيلي؛ وهو التطور، الذي قضى على فرص التوصل للتسوية. ولقد سجّل المفكر الإسرائيلي روفيك روزنتال حقيقة مفادها أنه منذ اغتيال رابين ودوائر صنع القرار في إسرائيل تخشى حتى مجرد طرح جدل حقيقي بشأن مستقبل الأراضي المحتلة؛ خوفًا من تكرار الاغتيال السياسي؛ مما جعل لهذا الحدث تأثير الدومينو؛ بحيث إنه يردع الساسة عن التعاطي بجدية مع أي مقترح لتسوية الصراع سلميًا مع الفلسطينيين. وما زالت المرجعيات الدينية تصدر الفتاوى التي تبيح إراقة دماء الساسة الذين يبدون استعدادًا لـ "التفريط" بالأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967.

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر