موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
دور السلطة في تحسين البيئة الأمنية للمستوطنين

دلت التجربة بشكل لا يقبل التأويل على أن الرأي العام الإسرائيلي لا يتردد في التحرك ضد حكوماته في حال أحس أن سياساتها من الصراع تؤدي للمسّ بأمنه الشخصي؛ فعلى سبيل المثال أدت الخسائر الكبيرة التي مُنِي بها الجيش الإسرائيلي خلال احتلاله لجنوب لبنان إلى ولادة العديد من الحركات الجماهيرية داخل إسرائيل، التي حملت لواء الدعوة إلى الانسحاب من المنطقة بدون قيد أو شرط، ولعل أكثر هذه الحركات فاعلية، كانت مجموعة "النساء الأربعة". وعند تفجر الانتفاضة الأولى عام 1987 انطلقت أيضًا حركات جماهيرية إسرائيلية حرصت على تعبئة الرأي العام الداخلي ضد سياسات الحكومة.

وبكل تأكيد فإن الجمهور الإسرائيلي كان سيتحرك ضد سياسات الحكومات الإسرائيلية المتواطئة مع المستوطنين في حال تبين له أن هذه السياسات تمس بأمنه، سيما في حال هددت حياة الجنود، الذين يتولون حماية هؤلاء المستوطنين. لكن كل الدلائل تؤكد أنه في ظل التعاون الأمني الكبير الوثيق والمعلن الذي تبديه الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية مع أجهزة الأمن الإسرائيلية في تعقب حركات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية؛ فإنه لا يوجد تهديد ما يقنع الجمهور الإسرائيلي، بأن سلوك الحكم في تل أبيب المهادن للمستوطنين يهدد مصالحه؛ وبالتالي يتم السماح للمستوطنين بأن يحددوا قواعد التعاطي مع الصراع. لقد أدى التعاون الأمني الذي تبديه الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية إلى تحسين البيئة الأمنية للمستوطنين أنفسهم، وسمح لهم بتدشين المزيد من المستوطنات في ظل أقل قدر من المخاطر الأمنية. ونظرًا للتعاون الأمني العميق، فلم يعد هناك مطلوب فلسطيني واحد على قائمة المطلوبين لدى جهاز المخابرات الإسرائيلية العامة "الشاباك". من هنا، فإن تعاون السلطة الفلسطينية الأمني يوفر البيئة الإقليمية المناسبة لتعاظم الاستيطان. لقد أبلغ وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك مؤتمر "الحصانة القومية"، الذي نظمه "مؤتمر هرتسليا متعدد الاتجاهات"، الذي عُقد عام 2011 أن قادة المستوطنين يشعرون بالامتنان للدور الذي قامت به الأجهزة الأمنية في تحسين ظروفهم الأمنية، وقد كان رئيس حكومة السلطة سلام فياض من ضمن الحضور أثناء إلقاء باراك كلمته

في الوقت ذاته؛ فإن الموقف الأميركي يعزز البيئة السياسية للمشروع الاستيطاني؛ حيث إنه على الرغم من الضريبة الكلامية التي تدفعها الإدارة الأميركية في انتقاداتها الخجولة للبناء في المستوطنات؛ إلا أن سلوكها العملي يشجع الحكومة الإسرائيلية على مواصلة دعم المستوطنين. فعلى سبيل المثال لم تَحُل الانتقادات التي ترددها إدارة أوباما تجاه الاستيطان من مواصلة الدعم العسكري والاقتصادي والإستراتيجي لإسرائيل؛ لذا لا يوجد ما يقنع دوائر صنع القرار في تل أبيب بتغيير سلوكها إزاء المستوطنات في حال لم تؤثر ردة الفعل الدولية، وتحديدًا الأميركية على مصالح إسرائيل بشكل سلبي. والأدهى من ذلك، أن الولايات المتحدة التي تنتقد الاستيطان لا تتردد في استخدام حق النقض الفيتو ضد أي مشروع قرار في مجلس الأمن يدين الاستيطان. ناهيك عن حقيقة أن القانون الأميركي يعفي التبرعات السخية التي يقدمها الأثرياء اليهود للمشروع الاستيطاني من الضرائب، بزعم أنها تذهب لأغراض خيرية.

يهددون النظام السياسي الإسرائيلي

من الواضح إن تدليل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للمستوطنين، بالإضافة إلى حرص السلطة الفلسطينية على توظيف قدرات وإمكانيات أجهزتها الأمنية في الدفاع عنهم، أغراهم للانتقال إلى تهديد النظام السياسي الصهيوني. لذا فهم لا يترددون في المس بمؤسسات الكيان الصهيوني في حال شعروا بأن هناك أية محاولة للمسّ بهذا المشروع، وذلك عبر الدعوة لاستخدام القوة من أجل إثناء الحكومة عن اتخاذ أية قرارات تهدد هذا المشروع. فقد أدت الرصاصات التي أطلقها المستوطن إيغال عمير على صدر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين إلى إسدال الستار على أية إمكانية للتوصل لتسوية سياسية للصراع. لقد اغتال عمير رابين أواخر عام 1995؛ لأنه اعتقد أن رابين مستعد للتنازل عن الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967؛ وقد حقق عمير هدفه؛ حيث إن الانتخابات التي أُجريت بعد اغتيال رابين مباشرة، في صيف عام 1996 قد أدت إلى انتصار اليمين الإسرائيلي؛ وهو التطور، الذي قضى على فرص التوصل للتسوية. ولقد سجّل المفكر الإسرائيلي روفيك روزنتال حقيقة مفادها أنه منذ اغتيال رابين ودوائر صنع القرار في إسرائيل تخشى حتى مجرد طرح جدل حقيقي بشأن مستقبل الأراضي المحتلة؛ خوفًا من تكرار الاغتيال السياسي؛ مما جعل لهذا الحدث تأثير الدومينو؛ بحيث إنه يردع الساسة عن التعاطي بجدية مع أي مقترح لتسوية الصراع سلميًا مع الفلسطينيين. وما زالت المرجعيات الدينية تصدر الفتاوى التي تبيح إراقة دماء الساسة الذين يبدون استعدادًا لـ "التفريط" بالأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر