موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
حماس...وانتهاج الواقعية السياسية !
الاسلام اليوم 24-01-2006 في الآونة الأخيرة صدرت العديد من الرسائل المشوشة والمتناقضة عن بعض قادة حركة حماس، وعن الكوادر التي تتصدر قائمتها للانتخابات التشريعية. ومن المؤسف حقاً أن هذه الرسائل جاءت في وقت مكن خصوم الحركة السياسيين من توظيفها ضدها، والتدليل على تراجعها عن ثوابتها. ولعل أكثر ما أثار لغطاً هو تصريحات الشيخ محمد أبو طير الذي يحتل المركز الثاني في قائمة الحركة للانتخابات التشريعية الذي نسبت له صحيفة وقناة تلفزة إسرائيلية القول بأن الحركة مستعدة للتفاوض مع إسرائيل بعد الانتخابات التشريعية، وأن حماس بإمكانها أن تدير المفاوضات مع إسرائيل بشكل أفضل من منظمة التحرير الفلسطينية. وقد سبق أبو طير قيادي بارز آخر في الحركة نسبت له وسائل الإعلام الإسرائيلية قوله: إن حماس مستعدة للتفاوض مع إسرائيل، وهذا القيادي نفسه وفي خطاب انتخابي صرح مشدداً على أن لغة التفاوض الوحيدة بين إسرائيل وحماس هي البندقية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا وبقوة: لماذا هذا التناقض والتشويش؟ ما مسوّغه؟ وهل التفاوض أصلاً ممكن بين الحركة وإسرائيل؟ قد يكون هناك من يرى داخل الحركة أن متطلبات المرحلة المقبلة تقتضي طرح هذه المواقف من أجل إقناع الخارج بفك الطوق عن الحركة، ومحاولة إحداث زعزعة في الموقف الدولي، لاسيما الأوروبي الرافض لمشاركة حماس في الحياة السياسية الفلسطينية، ودق إسفين بين أوروبا وكل من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال. إنه من المنطقي أن تعمل حماس على إقناع أكبر عدد من الأطراف بصدقية وعدالة المواقف التي تطرحها، لكن للأسف أن المدخل لهذا التوجه – حسب اعتقادي – خاطئ؛ لأنه بالنسبة للأوروبيين لا يكفيهم أن تعلن حماس عن استعدادها للتفاوض مع إسرائيل، بل إنهم يطالبون الحركة أولاً وقبل كل شيء بالاعتراف بدولة "إسرائيل" وحقها في الوجود، أي التنازل عن 78% من أرض فلسطين التاريخية. واللافت للنظر أن الأوروبيين والأمريكيين يعدّون أن الموافقة على الاتصال بحماس هو تنازل يتوجب على الحركة أن تدفع مقابله ثمناً على صعيد ثوابتها. وفي نفس الوقت فإن أحداً من الأطراف الأوروبية والأمريكيين لم يطالب الدولة العبرية بالاعتراف بسقف الحد الأدنى المقبول فلسطينياً، وهو انسحاب إسرائيل الكامل من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وإقامة الدولة الفلسطينية. ليس هذا فحسب، بل إن هذه الأطراف تتواطأ مع دولة الاحتلال في إضفاء شرعية على التسويات أحادية الجانب التي تضمن للدولة العبرية الاحتفاظ بكل ما تعدّه "مصالح إستراتيجية" في أي تسوية مقبلة، مع العلم أن الحكومة الإسرائيلية التي ستتشكل بعد الانتخابات التشريعية ستسير على نهج شارون في المبادرة بخطوات أحادية الجانب في حال شكلها خلفه ايهود اولمرت، كما هو متوقع. إن كل من يتابع الشأن الإسرائيلي يدرك أنه لا يوجد أدنى استعداد إسرائيلي للتوصل إلى تسوية ترقى لسقف "الحد الأدنى المقبول فلسطينياً"، حتى لو قاد الحكومة الإسرائيلية حزب "ياحد" بزعامة يوسي بيلين الذي يمثل أقصى اليسار الصهيوني حالياً، فما بالك عندما تُحكم الدولة العبرية من قبل حزب "كاديما" الذي كل ما يطرحه من حل للقضية الفلسطينية هو "الفصل الديموغرافي" في الضفة الغربية بين المواطنين الفلسطينيين والمغتصبين اليهود، مع فرض السيادة الإسرائيلية على أكثر من 55% من مساحة الضفة الغربية، ناهيك عن القدس، إلى جانب التنازل عن حق العودة للاجئين، والقبول فقط بكيان فلسطيني ينتظم في كانتونات مبعثرة تفتقد التواصل الإقليمي فيما بينها. الخطير في الأمر أن الدولة العبرية، في حال فازت حماس في الانتخابات، تعد العدة لانتهاز ذلك من أجل مواصلة القيام بخطوات أحادية الجانب. وكما قال وزير الحرب الصهيوني شاؤول موفاز صراحة: إن فوز حماس يعني أنه لن يكون للدولة العبرية شريك فلسطيني في المفاوضات، لذلك على العالم أن يتفهم إقدام إسرائيل على الخطوات أحادية الجانب. صحيح أن إسرائيل لم تقدم شيئاً حتى للأطراف الفلسطينية التي كانت تعدها شريكاً في المفاوضات، لكن لا خلاف على أن قدرة الدولة العبرية على تسويغ الخطوات أحادية الجانب، وتسويغها في الساحة الدولية ستكون أكبر في حال فازت حماس. من هنا فإنه بدلاً من الرسائل المشوشة والمتناقضة، يتوجب على حركة حماس أن تتجند بـ "الانتهازية السياسية البناءة"، وتوظيف جملة المواقف الإسرائيلية آنفة الذكر لأخذ زمام المبادرة، وإحراج الأوروبيين والأطراف العربية الإقليمية التي راقت لها الخطوات أحادية الجانب التي قامت بها "إسرائيل"، لاسيما خطة "فك الارتباط"، وأن تشرع حماس في " شن هجوم "سياسي عبر طرح مبادرة تقوم على الآتي: 1-توافق حماس على التفاوض مع إسرائيل في حال تعهدت تل أبيب بالانسحاب الكامل من الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل كامل، بما في ذلك القدس الشرقية، وإخلاء جميع المستوطنات التي أُقيمت في الضفة الغربية منذ العام 1967، بما فيها المستوطنات التي أُلحقت بالقدس منذ العام 1967 والتي تعدها الدولة العبرية جزءاً من القدس الغربية( تشكل أكثر من 40% من القدس الغربية)، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين، وإقامة الدولة الفلسطينية ذات المقومات السيادية الكاملة مع توفير ربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة. 2- تشدد الحركة على أنه حتى إعلان إسرائيل الصريح والواضح القبول بالشروط آنفة الذكر فإن من حقها مواصلة عملها المقاوم ضد دولة الاحتلال؛ لأنه لا يمكن الطعن بمشروعية المقاومة طالما تواصلت مظاهر الاحتلال. 3-تعلن حماس أنه في حال وافقت إسرائيل على هذه المواقف، فإن الحركة ستعترف بها. على حماس ألاّ تتخوف من طرح مثل هذه المبادرة ويجب ألا ترى فيها مساً بثوابتها؛ لأنه ببساطة لن يكون هناك في الجانب الإسرائيلي من يقبل بهذه المبادرة، وبالتالي فإن الحركة ستكون في مأمن من اختبار صدقية نوايا طرحها لهذه المبادرة، بمعنى أن الرد الإسرائيلي على المبادرة سيوفر على حماس خطوة الاعتراف الفعلي بدولة الاحتلال. وفي نفس الوقت فإنه لن يكون بإمكان أي طرف فلسطيني أو عربي وحتى دولي أن يزعم أن ما تطرحه هو ضرب من المواقف التعجيزية المتطرفة. إن طرح مثل هذه المبادرة سيساعد الحركة على نقل الكرة إلى ملعب الأطراف التي ترفض مشاركتها في الحياة السياسية، مما قد يمهد للتخلص من الحصار الدولي والإقليمي المفروض عليها، أو على الأقل العمل على تآكل مسوّغاته، في نفس الوقت فإنه سيزيد التناقضات داخل الساحة الإسرائيلية ويزعزع الإجماع الصهيوني حول سياسة القوة العارية المتبعة من قبل دولة الاحتلال ضد حركات المقاومة وضد حماس. إلى جانب أن مثل هذا الطرح سيساعد الحركة على العمل في الساحة الداخلية الفلسطينية، ويقطع الطريق على أولئك الذين يعدون أن مشاركة الحركة السياسية ستؤثر سلباً على شؤون الناس الحياتية، وسيزيد من عزلة الفلسطينيين الدولية.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر