موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
كاديما " ...... " الوسطية " على الطريقة الشارونية

مجلة وجهات نظر المصرية عدد يناير 2006
" تسونامي "، هزة أرضية، الإنقلاب الكبير، تلك بعض التعابير التي أطلقت لتوصيف التطورات الدرامتيكية المتلاحقة في الحلبة الحزبية الإسرائيلية التي تفجرت مؤخراً بعد انشقاق رئيس الوزراء الإسرائيلي ارئيل شارون عن حزبه الليكود واعلانه تشكيل حزب " كاديما ". وبالفعل فكما بات واضحاً فقد مثل تشكيل " كاديما " نقطة تحول فارقة في الحياة الحزبية الإسرائيلية تنذر بتهاوي أحزاب وتعاظم اخرى، لترتسم معالمة خارطة حزبية مختلفة تماماً في الدولة العبرية. لكن السؤال الهام الذي يطرح هنا وبقوة: هل يقابل هذه الانقلابات الكبيرة في الحلبة السياسية الإسرائيلية تحولاً في المنطلقات الأيدلوجية للأحزاب في الدولة العبرية سيما في كل ما يتعلق بالصراع مع الشعب الفلسطيني والأمة العربية، أم أن هذه الإنقلابات – على أهميتها – لا تعدو كونها مجرد اعادة اصطفاف حزبي لتمتين المواقف الأيدلوجية القديمة عبر اعادة انتاجها في قوالب جديدة  وتحت مسميات حزبية براقة تفرضها محددات العرض والطلب في الساحة الحزبية الإسرائيلية ؟؟.  أن الاجابة على هذا السؤال الهام تقتضي التعرض للظروف التي دفعت شارون للمبادرة للاقدام على ما أقدم عليه، والماكينزمات التي اتبعت في ايجاد " كاديما " من العدم، الى جانب تفصيل تداعيات تشكيل هذا الحزب على مجمل الخارطة الحزبية في الدولة العبرية، ومحاولة تفسيره هذه التداعيات.

 شارون وخيار المضطر

لا يختلف اثنان على أن الذي فتح الساحة الحزبية الاسرائيلية على مصراعيها أمام جملة التغيرات الدرامتيكية التي لازالت تترى بدون انقطاع كان تحديداً خطة " فك الارتباط " التي صاغها شارون ونفذها والتي تضمنت اخلاء المستوطنات اليهودية في قطاع غزة الى جانب اربع مستوطنات نائية في شمال الضفة الغربية. ومنذ أن كشف شارون عن خطته هذه لأول مرة في المؤتمر الذي عقده " مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات " في مارس من العام 2003، انبرى معظم وزراء و نواب حزب الليكود الحاكم الذي كان يرأسه شارون، و احزاب اليمين المتطرف بشقيه العلماني والديني، سواء تلك التي كانت مشاركة في الحكومة، أو تلك التي كانت خارجها لمعارضة الخطة. لقد رفض معظم نواب ووزراء الليكود، بالإضافة الى الأغلبية الساحقة من أعضاء اللجنة المركزية للحزب المسوغات التي قدمها شارون لتبرير " فك الارتباط "، واعتبروها خروجاً عن البرنامج السياسي للحزب المعتمد من قبل اللجنة المركزية للحزب، و الذي يرفض اخلاء المستوطنات، ليس هذا فحسب، بل أن نواب ووزراء الليكود اجبروا شارون على اجراء استفتاء عام في أوساط عشرات الالاف من منتسبي الليكود، تبين من نتائجه أن أغلبية هؤلاء المنتسبين يرفضون اخلاء المستوطنات، وبالذات اذا كانت عملية الاخلاء تأتي ضمن خطة " احادية الجانب "، كما كانت عليه الحال في " فك الارتباط ". لم تشفع لشارون ولمقربيه تأكيداتهم لنواب الحزب وأعضاء لجنته المركزية أن خطة " فك الارتباط " تأتي لتصفية القضية الفلسطينية ولمنح المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية طفرة هائلة، ولتمكين الدولة العبرية من تحقيق مصالحها الاستراتيجية في أي تسوية سياسية مستقبلية، ولتحسين مكانتها الدولية، ونقل الكرة للساحة الفلسطينية في اعقاب أكثر من خمس سنوات على انتفاضة الأقصى، التي بدت اسرائيل فيها غير قادرة على انهاء مظاهرها بالقوة المسلحة. وفي المقابل اتهم معظم نواب ووزراء الليكود، وكذلك احزاب اليمين الديني والعلماني شارون بأن الذي دفعه لتقديم مثل هذه الخطة هو محاولته التغطية على قضايا الفساد التي قامت الشرطة بالتحقيق معه ومع نجليه حولها. الذي فاقم من وقع هذه الاتهامات كان تبني العديد من وسائل الاعلام الهامة لها. على الرغم من كل ما بذله معارضو خطة " فك الارتباط " داخل الليكود والذين اطلق عليهم " المتمردين " من جهود لافشال اقرار الخطة داخل الحكومة والبرلمان، الا أن شارون الداهية استطاع بمناوراته الحاذقة أن يقنع أغلبية أعضاء البرلمان بتأييد الخطة، سيما بعد أن تجند لتأييدها من على مقاعد المعارضة كل من حزب العمل وحركة " ميريتس " اليسارية. الذي أثار حنق شارون من رفض معظم نواب حزبه للخطة، هو ادراكه لحقيقة التأييد الجارف الذي تحظى به في أوساط الجمهور الاسرائيلي، كما دللت على ذلك نتائج استطلاعات الرأي العام . لكن حتى بعد أن تم تنفيذ الخطة، وبعد أن حرص شارون على التأكيد في كل مناسبة على أنه لا ينوي تنفيذ المزيد من عمليات اخلاء المستوطنات من جانب واحد، ومع أنه خرج عن طوره لاسترضاء جناح المتمردين الذي أصبح يقوده رئيس الوزراء ووزير المال السابق بنيامين نتنياهو، إلا أن هؤلاء واصلوا جهودهم لنزع الشرعية عنه كزعيم لليكود وكرئيس وزراء، والطعن في اهليته لادارة دفة أمور الدولة. وكانت أول خطوة أقدم عليها المتمردون لازاحة شارون عن قيادة لحزب والدولة مبادرتهم لتقديم اقتراح للجنة المركزية للحزب يقضي بتقديم موعد الانتخابات التمهيدية لاختيار زعيم جديد للحزب ومرشحه لرئاسة الوزراء في الانتخابات القادمة. قبول الاقتراح كان يعني الاطاحة بشارون واسدال الستار على مستقبله السياسي، لأن جميع استطلاعات الرأي العام كانت تؤكد أنه في أي انتخابات تمهيدية تجرى في اوساط منتسبي الليكود، فأن نتنياهو سيتفوق عليه. ومرة اخرى وبدهاء كبير نجح شارون في احباط محاولة المتمردين تمرير اقتراحهم بتقديم موعد الانتخابات التمهيدية. بعد فشلهم في ذلك، واصل المتمردون باصرار مخططهم لاسقاط شارون وذلك عن طريق رفضهم التصويت على مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة برئاسته، مع العلم أنهم ينتمون للحزب الحاكم، وعلى الرغم من أنه يفترض أن يكونوا ملتزمين بتأييد قرارات الحكومة، كما يقتضي انضباط الكتل النيابية. فقد أعلن المتمردون أن في نيتهم التصويت ضد مشروع موازنة الدولة، الأمر الذي وجد شارون نفسه معه في وضع صعب وحرج للغاية، فحسب القانون الأساسي الذي ينظم عمل الحكومة، فأنه في حال رد البرلمان مشروع الموازنة فأن الحكومة تفقد ثقة البرلمان بشكل تلقائي، ويكون لزاماً على رئيس الدولة تكليف نائب اخر بتشكيل حكومة جديدة. وللخروج من المأزق لجأ شارون لحزب العمل ونجح في ضمه للائتلاف الحاكم. كان شارون يخطط لبقاء ائتلافه في الحكم حتى قبيل موعد الانتخابات التشريعية المقررة في نهاية العام القادم. لكن حدث ما لم يتوقعه أحد من الساسة ولا من الصحافيين والمعلقين وكل الذين يدعون معرفة بالحراك السياسي والاجتماعي في الدولة العبرية. ففي الانتخابات التمهيدية التي اجريت لاختيار زعيم جديد لحزب العمل، وبعكس كل استطلاعات الرأي العام، حقق عمير بيريتس رئيس اتحاد نقابات العمال ذو الأصول المغربية انتصاراً ساحقاً على شمعون بيريس الرئيس المؤقت للحزب، وحليف شارون في الحكومة. وكان أول اجراء اقدم عليه بيريتس هو قراره بفك شراكة بين حزب العمل وشارون في الحكومة. وهذا يعني أن حكومة شارون قد فقدت أغلبيتها في البرلمان، ولم يكن هناك بد أمام شارون الا أن أعلن عن حل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة.

 

" كاديما "  : أيدلوجيا أم توافق مصالح

أدرك شارون أنه لم يعد هناك ما يبحث عنه داخل حزب الليكود، واقنعه طاقم مستشاريه الذي يطلق عليه " طاقم المزرعة " ( الطاقم مكون من نجليه بالاضافة الى عدد من المستشارين، و يجتمعون به في بيته الخاص في مزرعة الجميز في النقب المحتل، جنوب فلسطين في أوقات متقاربة للتشاور حول خطوات شارون المستقبلية )، بأنه حتى لو ظل شارون في الليكود ووقعت مفاجأة واستطاع التغلب على نتنياهو في الانتخابات التمهيدية التي ستجرى لاختيار زعيم جديد لحزب الليكود، فأن شارون سيظل يواجه نفس المشكلة، حيث أن اللجنة المركزية للحزب التي يسيطر عليها غلاة المتطرفين ستعود لانتخاب المتمردين ليتنافسوا على قائمة الحزب في الانتخابات، وبذلك يضطر شارون للعودة للتعامل مع نفس نواب حزبه من المتمردين، أي أن بقاءه في الليكود يمثل وصفة للجمود والفشل واستمرار القيود على حريته في العمل. في نفس الوقت كان شارون مقتنعاً الى أبعد حد، أنه فقط بسبب قيادته لليكود، استطاع هذا الحزب رفع تمثيله في البرلمان من 19 مقعداً في العام 1999 الى 40 معقداً في العام 2003، وأن الليكود بدونه سيتحول الى حزب هامشي. وقد تبين أن قناعة شارون هذه تحديداً كانت في مكانها.وبعد تردد اقتنع شارون بما اقترحه عليه " طاقم المزرعة "، وأعلن عن انسحابه من " الليكود " وتأسيس حزب جديد، أطلق عليه في البداية " المسؤولية الوطنية "، وبعد ذلك استقر على " كاديما "، أي " للأمام "، وبالمناسبة هو نفس الاسم الذي كان يطلق على حزب موسيليني الفاشي في ايطاليا عشية الحرب العالمية الثانية. شارون أوضح في المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه عن تأسيس حزبه الجديد، أنه ترك " الليكود " بعد أن تحول هذا ا لحزب الى حزب " يميني متطرف "، وأنه لا يمكن لهذا الحزب أن يقود الدولة. آلية شارون في تسويق حزبه الجديد كانت بسيطة وذلك عبر الاعلان عن برنامج سياسي مقتضب وفضفاض، لاقناع الجمهور الإسرائيلي بأن حزبه الجديد يمثل وسط الحلبة الحزبية الاسرائيلية، وتتقاطع داخله محاور الاجماع الصهيوني حول القضايا الهامة بالنسبة للدولة ومستقبلها. لقد كان هذا المؤتمر الصحافي حاسماً في تسويق الحزب الجديد، فقد ظهر شارون في مظهر رجل الدولة الذي يرفع مصالح الدولة فوق أي اجندة حزبية وشخصية. لقد استفاد شارون من عاملين هامين في اقناع الرأي العام الإسرائيلي بحزبه الجديد: الاول تجربته كرئيس للوزراء منذ العام 2001 وحتى الآن، حيث دلت استطلاعات الرأي العام في الدولة العبرية على أن أغلبية الجمهور الاسرائيلي تثق بشارون، سيما في ادارة شؤون الدولة الأمنية والسياسية، وأن أحداً من بقية الساسة في اليمين واليسار لا يدانيه في ذلك. الثاني : اقنع شارون الجمهور الإسرائيلي بسهولة أن حزبه الجديد بالفعل يمثل وسط الخارطة الحزبية، بعد مسارعة الساسة من الليكود وحزب العمل واحزاب الوسط القائمة والاحزاب الدينية والاحزاب ذات الخط الأثني للانضمام للحزب الجديد. وعلى الرغم من أنه كما سيتضح لاحقاً، فأن الذي دفع هؤلاء الساسة للانضمام لهذا الحزب هو الحرص على مستقبلهم السياسي وضمان مقاعد لهم في البرلمان القادم، اكثر من التوافق الأيدلوجي فيما بينهم. على الرغم من كل ذلك إلا أن الجمهور الإسرائيلي بات مقتنعاً أن " كاديما " يمثل " الوسط "، ومحور الاجماع، وكان من الأهمية بمكان بالنسبة لشارون أن ينجح في تكريس انطباع لدى الرأي العام الإسرائيلي بأن حزبه يمثل الوسط، لأن احزاب الوسط كانت دوماً تحتكر تأييد غالبية الإسرائيليين. وبالفعل فأنه سرعان ما تبين أن الساسة الذين بادروا للالتحاق ب " كاديما " محقين في رهاناتهم، حيث ان استطلاعات الرأي العام تؤكد أن هذا الحزب الذي نشأ من العدم سيحصل على اكثر من 40 مقعد في البرلمان القادم، مع أن هذا الرقم مرشح للتعاظم، في حين أن حزب الليكود سيتهاوى ليحصل على 12 مقعداً، بعد أن كان يشغل لوحده 40 مقعد، أي ثلث مقاعد البرلمان.  لكن بعد قليل من التمحيص يتبين أن مسارعة الساسة من اليمين واليسار للأنضمام لحزب " كاديما " لم تكن بفعل البرنامج السياسي للحزب الجديد، بل لحرص هؤلاء الساسة بشكل واضح على مصالحهم الشخصية وضمان مستقبلهم السياسي. فمثلاً، معظم النواب الذين تركوا الليكود وانضموا لشارون كانوا من النواب الذين لم يكن لديهم أي أمل في الفوز بترشيح الليكود لهم في الانتخابات القادمة في مكان مضمون. وبإمكاننا أن نشير الى وزير الحرب شاؤول موفاز الذي كان حتى قبل اربع وعشرين ساعة من انضمامه لحزب " كاديما " يهاجم شارون ويتهم حزبه الجديد بأنه يهدد مستقبل الدولة العبرية، و أخذ يشكك في قدرات شارون القيادية ويطعن في الدوافع التي تحركه لاتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون الدولة. لكن موفاز بعد أن أدرك أنه سيخسر التنافس على زعامة حزب الليكود، وأن عضو لجنة مركزية هامشي في الحزب مثل موشيه فايغلين سيحصل على عدد من الاصوات اكثر منه في هذا التنافس، كما دلت استطلاعات الرأي، فقد تملكه الفزع، و سارع الى ترك الليكود وانضم ل " كاديما "، مقابل وعد من شارون له بأن يبقيه في منصب وزير الدفاع في الحكومة القادمة في حال كلف بتشكيلها. وكان تساحي هنغبي، احد ابرز الصقور في الليكود، وهو الذي خلف شارون في رئاسة الحزب بعد أن انشق عنه، أعلن الانضمام لحزب " كاديما " في اليوم الذي اوصت الشرطة بتقديم لائحة اتهام ضده بسبب اعمال فساد اثناء تبوءه منصب وزير البيئة.وما ينطبق على موفاز وهنغبي ينطبق على الزعيم السابق لحزب العمل شمعون بيريس الذي أعلن انضمامه لحزب " كاديما " فقط بعد أن خسر التنافس أمام عمير بيريتس، وبعد أن تلقى وعداً علنياً من شارون بأن يشغل أي منصب يختاره في الحكومة القادمة. بيريس برر انضمامه لحزب شارون بالقول أن هذه الخطوة " تخدم هدفه لتحقيق السلام "، معتبراً أنه فقط يمكن الاعتماد على شارون في تحقيق تسوية سياسية مع العرب !!!. وسائل الاعلام في اسرائيل اعتبرت أن انضمام بيريس لحزب شارون يدل مرة اخرى على أن هذا الشخص لا يعرف الخسارة بشرف. واجمعت معظم وسائل الاعلام في اسرائيل على ان حزب " كاديما " يفتقد " التوافق الأيدلوجي " الذي حل محله التوافق المصلحي "، وكما قالت صحيفة " معاريف " فأن ما يحدث في الحلبة الحزبية الاسرائيلية في اعقاب تشكيل "كاديما " ليس أقل من " عهر سياسي ". وتساءل عكيفا الدار المعلق السياسي لصحيفة الصفوة " هارتس " قائلاً " أي توافق أيدلوجي يتحدثون عنه برب السماء، كيف يمكن لحزب أن يضم بين صفوفه من جهة شخص مثل شاؤول موفاز منفذ عمليات الاغتيال ضد الفلسطينيين، والذي لا يرى انجع من السلاح كوسيلة في التخاطب مع الفلسطينيين والعرب، وهنغبي الذي يعتبر تفكيك المستوطنات خيانة، ومن جهة اخرى شخص مثل شمعون بيريس، الحاصل على جائزة نوبل للسلام، والذي يعتبر أن رسالته في الحزب الجديد هو العمل على تحقيق تسوية سياسية مع الفلسطينيين ". الحلبة السياسية في اسرائيل اعتبرت ما قام به شارون يهدد " الديموقراطية " الاسرائيلية. فقال عمير بيريتس زعيم حزب العمل الجديد " "هذا خطر على الديمقراطية، هذا وضع تغيب فيه اي معايير للسلوك والأخلاق. شارون يستخدم كل الوسائل لشراء كل القوى في السوق السياسية. الانتهازية والبهلوانية تصبحان معياراً عاديا للسلوك وجزء من ثقافتنا. شارون يقودنا نحو شفا الهاوية. يوجد حد لاستخدام القوة السلطوية. فلهذا الرجل لا يوجد إشارة حمراء"، على حد تعبيره. اما ابراهام بوراز من قادة حزب " شينوي " فقد قال أن شراء شارون للساسة يمثل " مس شديد جدا بالمبادىء الاكثر أساسية في الاخلاق السياسية، أنه لا يمكن تصديق انه بالامكان شراء شخص كان رئيساً للوزراء ( يقصد بيريس ) ، أو شخص يتنافس على قيادة الليكود ( يقصد موفاز ). واعتبر بوراز أن شارون يستغل موجة النجاح السياسي التي يحظى بها " ليرشو سياسيين كي يفروا من أحزابهم مقابل الحصول على وظائف في الحزب الجديد. اعتقد أن هذه الظاهرة خطيرة على الديمقراطية الاسرائيلية ".من ناحيته قال وزير الخارجية سيلفان شالوم والمتنافس على رئاسة الليكود أن الطريقة التي ينضم بها الساسة للحزب الجديد تعكس " تدهور السياسة الاسرائيلية الى اماكن ما كنت أرغب في ان اصل اليها. الناس ينتقلون من مكان الى مكان مثلما يغيرون جراباتهم. ذات مرة كانت الأيدلوجيا هي التي تحدد للناس الحزب الذي ينتمون اليه، أما اليوم فالمعيار هو ما يحصل عليه الناس من مغريات ".أما جدعون ساعر رئيس كتلة الليكود في البرلمان فقد اعتبر ان الساحة السياسية في اسرائيل قد تحولت بالفعل الى "  سوق تجاري لبيع وشراء السياسيين دون أي عنصر قيمي، بشكل يعرض الديمقراطية الاسرائيلية للخطر". من ناحيتها توقعت وزيرة التعليم ليمور لفنات أن ما يحدث يمثل بداية النهاية للنظام الديموقراطي في الدولة.

 

 تآكل الفروق الأيدلوجية بين الأحزاب

على الرغم من كل الظروف التي قادت الى انطلاق حزب " كاديما "، والانتقادات التي وجهت اليه، إلا أن الحزب يكتسب مع الوقت تأييد قطاعات أضافية من الجمهور الإسرائيلي. فحسب استطلاع للرأي العام تبين أن 60% من مصوتي حزب الليكود و40 من مصوتي حزب العمل و 60% من مصوتي حزب "شينوي " الذي يعتبر حالياً ثالث أكبر حزب في الدولة العبرية يؤيدون حزب " كاديما ". من هنا فأنه بات واضحاً أن شارون نجح في تحقيق هدفه في ايجاد اصطفاف حزبي جديد بهدف تمتين وتعزيز الدعم للبرنامج السياسي الذي يؤمن به في التعاطي مع القضية الفلسطينية. شارون من خلال تشكيل " كاديما " يريد اعادة انتاج مواقفه السابقة وليس تغييرها، وهو فقط يريد محاولة املاء سياسته في ظل وجود حلبة حزبية اكثر انصياعاً له. تحقيق البرنامج السياسي لحزب " كاديما "، الذي أعلن عنه شارون يعني أيضاً تصفية القضية الفلسطينية. فالبرنامج السياسي لهذا الحزب يقوم على تنفيذ خطة " خارطة الطريق "، لكن أي خارطة ؟ أنها ليست الخارطة التي تبنتها الأدارة الامريكية ودعمتها اللجنة الرباعية ووافقت عليها السلطة الفلسطينية، على الرغم مما تتضمنه من فرض تنازلات مسبقة على الجانب الفلسطيني حتى قبل التفاوض على تطبيق الخطة. أنها " خارطة الطريق " التي أدخل عليها شارون 14 تعديلاً، لتصبح خطة جديدة.

أن الذي يجعل الأمور أكثر تعقيداً أمام الطرف الفلسطيني بعد الانتخابات الاسرائيلية القادمة وتكليف شارون بتشكيل الحكومة، في حال تحققت استطلاعات الرأي العام، هو أن الادارة الامريكية قد تبنت فعلاً التعديلات الشارونية على الخارطة، وذلك بعد أن أودع الرئيس الأمريكي جورج بوش رسالة الضمانات الشهيرة في يد شارون في 14 مايو من العام الماضي. وتنص هذه الضمانات على تأييد الادارة الامريكية لموقف شارون القاضي بضم التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية لاسرائيل، الى جانب دعم اسرائيل في موقفها الرافض للانسحاب الى حدود الرابع من حزيران للعام 67، ورفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين كما تنص قرارات مجلس الامن الدولي. لكن هذا ليس كل شئ يبشر به حزب شارون الجديد، فهذا الحزب يعد بأن تبقى القدس المحتلة " عاصمة اسرائيل الموحدة غير القابلة للتقسيم ". الى جانب احتفاظ الدولة العبرية بمنطقة " غور الاردن "، الى جانب مصادر المياه العذبة والمناطق الاستراتيجية في الضفة الغربية تحت السيطرة الاسرائيلية. بكلمات أخرى، فأن برنامج حزب شارون الجديد يفترض أن يتنازل الفلسطينيون سلفاً عن حوالي 60% من مساحة الضفة الغربية. ومقابل ذلك يقترح الحزب على الفلسطينيين الاعلان عن " الكانتونات " الفلسطينية في الضفة الغربية كدولة في حدود مؤقتة.  ". واضح تماماً أن مصطلح " مؤقتة " هو مصطلح مضلل، فهذا الحل الذي يقدمه شارون كحل مرحلي طويل الأمد يهدف في الحقيقة الى منح الدولة العبرية الفرصة لاستكمال فرض الحقائق الاستيطانية والتهويدية في الضفة الغربية والقدس المحتلة في ظل صمت المجتمع الدولي ومع انعدام أو ضعف الممانعة الفلسطينية.شارون من خلال ذلك يخطط لللعب على عامل الوقت، ويتوقع أن يتولد واقع فلسطيني داخلي يسمح له باملاء مخططاته السياسية الهادفة الى اقناع ممثلي السلطة الفلسطينية بالموافقة اقتراح الدولة في حدود مؤقتة. ولا يوجد انسب من ايال عراد المستشار الاستراتيجي لارئيل شارون، اقرب مقربيه والشخص الذي كان له بالغ الأثر في دفعه نحو تشكيل " كاديما "، ليعرف بمرامي هذا الحزب على صعيد التفاوض مع الفلسطينيين. فعراد اعلن أن حزب " كاديما " يعتبر أن أي تسوية سياسية يجب أن تقوم على " الفصل الديموغرافي " بين الفلسطينيين والمستوطنين في الضفة الغربية. ويضيف عراد أنه لن تكون هناك مشكلة أمام شارون لو أعلن الفلسطينيون عن دولة في ما يتبقى لهم من مناطق، مع العلم أنه لن يتبقى للفلسطينيين سوى المناطق ذات الكثافة السكانية العالية فقط. أذن شارون في الحقيقة يسعى من خلال حزب " كاديما " الى اعادة انتاج مواقف الليكود واليمين بشكل عام. فمعروف أن غالبية اليمين بشقيه العلماني والديني باتت تقبل نموذج الانفصال عن الفلسطينيين ديموغرافيا، وذلك بتقبل إقامة كيان سياسي فلسطيني على أصغر رقعة ممكنة من الأرض، حتى لو سمي دولة. أن جملة المواقف التي عبر عنها شارون وممثلي حزبه الجديد تبرز مفهوم " الوسطية السياسية " التي يدعي شارون أن حزب " كاديما " يمثلها. لا يكتفي شارون بعرض هذه المواقف المتطرفة، بل أنه يشترط على السلطة الفلسطينية وقبل الخوض في غمار أي تسوية الوفاء بعدة استحقاقات تكفي لاشعال حرب أهلية فلسطينية. فأولاً يدعي شارون أنه وفق خطة " خارطة الطريق " يتوجب على السلطة تدمير البنى التنظيمية لحركات المقاومة الفلسطينية، وتجريدها من السلاح. ثانياً: القيام باصلاحات سياسية وامنية ومالية وفق المعايير الاسرائيلية. ثالثاً: محاربة كل ما تعتبره اسرائيل مظاهر للتحريض ضد الاحتلال سواء كانت في وسائل الاعلام ودور العبادة، الى جانب اعادة صياغة مناهج التعليم الفلسطينية ل " تنقيتها " من كل ما يمثل دعوة لمواجهة الاحتلال أو يشكل طعناً في شرعية دولته. 

 وحتى لا يتولد انطباع خاطئ، فأن حزب شاون لا يطرح خطة أكثر تطرفاً من خطة حزب العمل الذي تتوقع استطلاعات الرأي العام له الحصول على عدد لا يتجاوز الواحد وعشرين مقعداً في البرلمان القادم.  وينحصر الخلاف بين اليمين واليسار حول مساحة رقعة الأرض التي بالامكان الاستغناء عنها في الضفة الغربية لكي يتم الاعلان عن الدولة الفلسطينية فوقها. وتتقاطع مواقف الزعيم الجديد لحزب العمل عمير بيريتس مع شارون في الكثير من محاور التصور لحل الصراع مع الشعب الفلسطيني. فبيريتس يصر أيضاً على أن القدس ستبقى " عاصمة دولة اسرائيل والأبدية "، وهو يشدد على تحمسه لمواصلة تنفيذ المشاريع الاستيطانية التي تستهدف استكمال تهويد المدينة، الى جانب تمسكه بضم التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية لاسرائيل، ناهيك عن رفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين. أذن الحراك الداخلي الاسرائيلي أظهر بشكل لا يقبل التأويل تآكل الفروق الأيدلوجية بين القوتين الرئيسيتين في الساحة الحزبية الاسرائيلية كما تتوقع استطلاعات الرأي العام: " كاديما " و " العمل ". ويؤكد الصحافي عوزي بنزيمان، كاتب السيرة الذاتية لشارون، أنه من ناحية فعلية لا يوجد خلاف جوهري بين حزب الليكود وحزب شارون الجديد، ليس فقط في المواقف السياسية، بل في البرنامج الاقتصادي الاجتماعي. ويضيف بنزيمان " اذا ما استمرت توجهات التصويت الحالية، فسيكون ذلك دافعا للتساؤل : هل نشأ في الليكود انشقاق ايديولوجي ذو شأن أم أن الحزب، على أكثر تقدير، غيّر الاسم والعنوان فقط ".ويرى البرفسور جابي شيفر استاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية أنه على الرغم من أن اعادة الاصطفاف الكبيرة في الساحة الحزبية الاسرائيلية، و الصعود الكبير المتوقع لحزب شارون، فأن هذا التطور لا يعني تغيير برامج الاحزاب الاسرائيلية وتحديداً الكبيرة.

 

خارطة حزبية جديدة

أي كانت الظروف التي قادت لهذه التطورات فأن موازين القوى الحزبية بعد الانتخابات القادمة ستكون مختلفة تماماً عما هي عليه الآن وبشكل كبير. حيث تتواتر استطلاعات الرأي العام التي تؤكد نتائجها أن الانتخابات القادمة ستشهد انهيار حزبين هامين هما حزب الليكود الذي يشغل العدد الاكبر من مقاعد البرلمان الحالي، وحزب الوسط " شينوي " الذي يعتبر ثالث أكبر حزب في اسرائيل. فبالنسبة لحزب الليكود تتوقع استطلاعات الرأي أن يحصل على 12 مقعد فقط، وهناك من يرى أن الحزب قد يتفكك نهائياً قبل الانتخابات في حال واصل قادته انسحاباتهم منه وانضمامهم لحزب " كاديما ". اللافت للنظر أنه ليس وزراء ونواب حزب الليكود هم فقط من يتسرب لحزب شارون، بل يفعل ذلك القائمون على المؤسسات التنظيمية في الحزب، فمثلاً معظم رؤساء افرع الحزب في المدن الاسرائيلية المختلفة انضموا ل " كاديما "، ناهيك عن رؤساء البلديات والمجالس المحلية المنتمين لليكود، الأمر الذي يرسم علامة استفهام كبيرة حول قدرة الحزب على البقاء.  وبالفعل فأنه في حال تحققت استطلاعات الرأي فأن الحزب الليكود الذي ظل يحكم الدولة العبرية منذ العام 1977 مع فترات انقطاع بسيطة، يوشك على التحول لحزب هامشي. وهذا بالضبط ما أدى الى جدل داخلي يقوم على الجلد الذاتي، حيث يحمل ما تبقى من كوادر الحزب معسكر المتمردين المسؤولية عما لحق به من تراجع في اعقاب اصرارهم على اقصاء شارون والاطاحة به واجباره في النهاية على ترك الحزب. في الليكود يراهنون على حدوث مفاجآت تؤدي الى وقف الزخم الذي يواصله حزب " كاديما "، وتوقف التدهور في شعبية حزبهم. وبالنسبة لحزب شينوي بزعامة يوسيف لبيد، فأن استطلاعات الرأي العام تتوقع أن ينهار تماماً. وتتواتر استطلاعات الرأي العام التي تؤكد أن تمثيل الحزب سينخفض من 17 مقعداً في البرلمان الحالي الى 4 مقاعد فقط في البرلمان القادم. علماء  الاجتماع السياسي في اسرائيل يفسرون ذلك بالقول أنه بعد الاعلان عن حزب " كاديما "، فأن حزب "شينوي " فقد تأييد الطبقة الوسطى التي تمثل قاعدته الانتخابية، سيما بعد تراجع الجدل حول العلاقة بين الدولة والدولة، حيث أن برنامج الحزب ومنطلقاته الايدلوجية الأساسية تقوم على محاربة الأحزاب الدينية الارثوذكسية والعمل على حرمانها من الامتيازات التي تمنح لها لقاء مشاركتها في الحكومات المتعاقبة. حقيقة أن الاحزاب الدينية الأرثوذكسية لم تكن شريكة في الأئتلاف الحاكم الذي انفرط عقده، افقد رسالة " شينوي " للجمهور الإٍسرائيلي مضامين هامة.

أما حزب العمل بقيادة زعيمه الجديد عمير بيريتس فأن استطلاعات الرأي العام تتنبأ له أن يحافظ على تمثيله الحالي في البرلمان على الرغم من انسحاب شمعون بيريس منه. ومع أنه استطلاعات الرأي العام بعد الاعلان عن فوز بيريتس بزعامة الحزب قد توقعت أن يزيد الحزب من تمثيله في البرلمان القادم، الا أن الحزب سرعان ما فقد الزخم بعد اعلان شارون عن حزبه الجديد. ففي البداية ومن منطلق التضامن الجمعي، أبدى الكثيرون من ذوي الأصول الشرقية تأييدهم لحزب العمل بعد أن تبوأ قيادته بيريتس ذو الأصول الشرقية. كما نجح بيريتس القادم من قيادة اتحاد نقابات العمال العامة في البداية باقناع قطاعات واسعة من الطبقات  الضعيفة في المجتمع الإسرائيلي ببرنامجه الأقتصادي الاجتماعي، حيث أن الرجل اكتسب مصداقية خاصة كزعيم نقابي في الدفاع عن الفقراء والعمال.  لكن استئناف عمليات المقاومة، سيما العملية الاستشهادية الاخيرة في مدينة نتانيا كان لها بالغ الأثر في اعادة الاعتبار للأمن الشخصي كالقضية الأساسية في الجدل الجماهيري، و تراجع الاهتمام بالجدل حول البرامج الاقتصادية الاجتماعية، وهذا ما استفاد منه شارون وحزبه الجديد الذي يركز على الأمن. وهناك من يتوقع أنه في حال ساد الهدوء الأمني حتى موعد الانتخابات، فأن بيريتس قد ينجح في اعادة القضايا الاقتصادية الاجتماعية مثل الفقر والبطالة وسياسة الرفاه الاجتماعي وغيرها من القضايا الى صدارة الجدل العام، الأمر الذي يعني أن الحزب يمكن أن يعزز قوته في البرلمان القادم. وبالنسبة لاحزاب اليمين المتطرف فأن استطلاعات الرأي تتوقع أن تحافظ مجتمعة على قوتها. ولعل أهم هذه الاحزاب سيكون حزب " اسرائيل بيتنا " بقيادة افيغدور ليبرلمان الوزير السابق الذي دعا في حينه الى قصف السد  العالي في مصر والقصر الرئاسي في دمشق، وفرض السيادة على الحرم القدسي الشريف. وتتوقع استطلاعات الرأي أن يحصل هذا الحزب على 6 مقاعد، على الرغم من أن الغالبية الساحقة من مؤيدي هذا الحزب هم من الهاجرين الجدد من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي سابقاً. في حين تتوقع الاستطلاعات أن يحصل حزب " الاتحاد الوطني " المتطرف على 5 مقاعد. اما من ناحية الاحزاب الارثوذكسية الدينية، فأن استطلاعات الرأي العام تتوقع أن يحدث تآكل طفيف على تمثيل حركة " شاس "، لتحصل على 10 مقاعد، مع أن جميع مؤيدي هذه الحركة هم من اليهود المتدينيين والمحافظين ذوي الأصول الشرقية، في حين تتوقع استطلاعات الرأي العام أن يزيد حزب " يهدوات هتوراة " الذي معظم مؤيديه من اليهود المتدينيين ذوي الأصول الغربية يزيد من قوته ليمثل بستة مقاعد في البرلمان الجديد، بعد أن كان يمثل بخمسة فقط، أما حزب المفدال الديني فسيهبط تمثيله من 6 مقاعد الى 4. وكما تتوقع استطلاعات الرأي فأن مزيداً من التأكل سيحصل على تمثيل حركة  " ميريتس " اليسارية المعارضة، ، حيث من المتوقع أن يهبط تمثيلها في البرلمان من 6 الى اربعة مقاعد فقط، في حين تحافظ الأحزاب العربية على قوتها، مع العلم أنها ممثلة في البرلمان بثمانية مقاعد تتوزع على ثلاثة احزاب. 

لكن على الرغم من كل ما تقدم فأن هناك استدراك هام جداً يتوجب الاشارة اليه هنا. فقد دلت التجربة الاسرائيلية أن الأحزاب التي تتشكل نتيجة انشقاقات عن احزاب أخرى، أو تلك التي ترتبط بنجم، سواء كان قائد عسكري أو سياسي لامع، لا تعمر طويلاً. فمثلاً قد انهار حزب " رافي " الذي شكله رئيس الوزراء الاسرائيلي الأول دفيد بن غوريون بعد أن انشق عن حزب " مباي "، وتهاوى حزب " داش " الذي شكله رئيس هيئة أركان الجيش الاسبق يغآل يادين، وتلاشى حزب " ياحد " الذي شكله الجنرال عيزر فايتسمان، وواجه نفس المصير حزب " تسوميت " بقيادة الجنرال رفائيل ايتان. فهل يواجه حزب شارون نفس المصير؟ الآراء هنا متباينة، فهناك من يقول أن شارون في الحقيقة لم ينشق عن " الليكود "، بل قام في الحقيقة بنقل " الليكود " الى حزبه الجديد، وبالتالي فأن ما ينطبق على النماذج آنفة الذكر لا ينطبق على " كاديما ". لكن في المقابل هناك من يؤكد أن حزب " كاديما " الذي يتكون من اشخاص ذوي مشارب ايدلوجية مختلفة واحياناً متضاربة، هو في الحقيقة مرتبط بنجم واحد، هو شارون نفسه، وبالتالي فأنه في حال اخلى شارون الذي يبلغ من العمر 78 عاماً الساحة لهذا السبب أو ذلك، فأن عقد هذا الحزب مرشح للانفراط.

 التنافس على " نجوم " القمع

الذي يتابع الحراك الحزبي داخل اسرائيل عشية الانتخابات التشريعية التي ستجرى في مارس المقبل، لا بد أن يلفت نظره تنافس الأحزاب الإسرائيلية، بغض النظر عن مشاربها الفكرية، على استقطاب أكثر جنرالات جيش الاحتلال وقادة مخابرات الدولة العبرية امعاناً في قتل الفلسطينيين وقمعهم. وكلما اشتهر هذا الجنرال أو ذاك لدى الجمهور الاسرائيلي بسجله الطويل في قمع الفلسطينيين، كلما ضاعفت الأحزاب المختلفة من جهودها لمحاولة استقطابه واقناعه بالانضمام لقائمة مرشحيها للانتخابات. ويعتبر كل حزب أن أحد أهم العوامل التي تغري الناخب الإسرائيلي بالتصويت لقائمته، هو تضمين هذه القائمة جنرالات جيش وقادة مخابرات اشتهروا بشكل خاص في مجال قمع الفلسطينيين والعدوان على الأمة العربية. ولا يتوقف هذا الحرص على أحزاب اليمين العلماني واليمين الديني، بل يتعداه لاحزاب الوسط واليسار. ويعتبر حزب شارون الجديد الذي اطلق عليه " للأمام " هو أكثر الأحزاب التي حاولت استقطاب الجنرالات المرتبطين بقمع الشعب الفلسطيني بشكل خاص، بل أن شارون لا يفوت كل مناسبة، إلا ويؤكد أنه قام بضم هؤلاء الجنرالات لحزبه بسبب الانطباع " الجيد " الذي تركوه لدى الجمهور الاسرائيلي بسبب ما قاموا به من جرائم ضد الشعب الفلسطيني والأمة العربية. وقد خرج شارون عن طوره من أجل دفع افي ديختر الرئيس السابق لجهاز المخابرات الداخلية المعروف ب " الشاباك " للانضمام لحزبه. وغني عن القول أنه لا يوجد في الدولة العبرية شخص ارتبط اسمه بجرائم القمع ضد الشعب الفلسطيني اكثر من ديختر، سيما خلال انتفاضة الأقصى. فديختر لا يفوت فرصة دون التباهي بما يعتبره أهم " انجازاته " وهي تكريس عمليات الاغتيال لتكون أهم مركب في الجهد الأمني الصهيوني في مواجهة حركات المقاومة. بل أن ديختر يحرص على تذكير كل من يستمع اليه بدوره في تطوير الوسائل المعتمدة في تنفيذ عمليات الاغتيال، سيما توظيف الطائرات بدون طيار في تنفيذ عمليات الاغتيال. ليس هذا فحسب، بل أن ديختر لا يتردد في الاعتراف بأنه يتلذذ في رؤية الاطفال الفلسطينيين وهم يعانون من من القمع الاسرائيلي. وقد " طمأن " شارون " جمهوره الى أن ديختر سيحتل منصباً أمنياً في الحكومة التي سيشكلها بعد الانتخابات. وحسب استطلاعات الرأي ذات الدلالة في عكس توجهات المجتمع الإسرائيلي، فأن ديختر هو الأكثر شعبية في أوساط مؤيدي حزب شارون الجديد. والى جانب ديختر انضم لحزب شارون جدعون عيزرا النائب الاسبق لرئيس " الشاباك "، والذي يطلق عليه في اسرائيل " رئيس محكمة العالم السفلي "، بسبب ارتباطه بعمليات الاعدام الميداني التي قامت بها المخابرات الاسرائيلية ضد نشطاء حركات المقاومة الفلسطينية بعد وقوعهم في الأسر واستسلامهم. وعيزرا هو الذي نادى بقتل ذوي منفذي العمليات الاستشهادية على اعتبار أن هذا عامل ردع يمكن أن يساهم في وقف العمليات الاستشهادية. وأخيراً أنضم للحزب وزير الحرب شاؤول موفاز الذي يؤكد للجمهور الاسرائيلي أنه بامكانه أن يركن اليه في " تأديب " الفلسطينيين والعرب. والى جانب كل من ديختر عيزرا وموفاز، هناك العديد من الجنرالات الذين سطروا سجلاً طويلاً من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني والأمة العربية. وهنا علينا أن نذكر أن جميع استطلاعات الرأي العام في الدولة العبرية تؤكد أن ثقة الجمهور الإسرائيلي بشارون لإدارة دفة الأمور، ترجع بشكل اساسي الى ارتباط شارون شخصياً بعدد كبير من الجرائم ضد العرب والفلسطينيين. في المقابل يتباهى حزب الليكود الذي انشق عنه شارون بأن عدداً من قادته، هم من الجنرالات ذوي الباع الأطول في في ارتكاب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني. ولعل ابرز مجرمي الحرب هؤلاء هو الجنرال ايهود ياتوم، الذي كان من قادة جهاز " الشاباك "، ويؤكد ياتوم في كل مقابلة صحافية أنه قام في العام 1981 بتحطيم جمجمتي مقاومين من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد القاء القبض عليهم واستسلامهم له. ولا يتوقف ياتوم عن التنظير لطريقته هذه في محاربته المقاومة الفلسطينية ، دون أدنى اعتبار للقانون الدولي الذي يحرم قتل الاسرى بعد استسلامهم.

 وما ينطبق على حزب شارون والليكود ينطبق على حزب العمل " اليساري " الذي يحاول زعيمه الجديد عمير بيريتس التخلص من صورة " اليساري " التي علقت به، ويشدد في كل مناسبة على أن التجربة دلت على أن حكومات اليسار في إسرائيل هو الأكثر قدرة على محاربة المقاومة الفلسطينية والقضاء عليها. من هنا نجد ان بيريتس يتباهى أن الى جانبه في قيادة حزب العمل الجنرال داني ياتوم ( شقيق ايهود ياتوم )، وهو الرئيس الاسبق جهاز " الموساد "، الذي في عهده تمت محاولة اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في العام 1997، الى جانب المئات من الجرائم التي قام بها " الموساد "، مع العلم ان داني ياتوم كان يشغل قبل ترؤسه " الموساد " منصب قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال. وبحكم موقعه هذا قام ياتوم في العام 1994 بالرد على مجزرة الحرم الابراهيمي الشريف التي نفذها المجرم باروخ جولدشتاين وراح ضحيتها 29 فلسطينياً اثناء ادائهم صلاة الفجر في الحرم، بسجن عشرات الالاف من المواطنين الفلسطينيين في المدينة في منازلهم لاكثر من اربعين يوماً، في حين ترك سوائب المستوطنين يعيثون الفساد في شوارعها، وكأنه يكافئهم على المجزرة. لكن أكثر ما يفخر بيريتس بانتسابه لحزب العمل هو الجنرال عامي ايالون، أحد رؤساء جهاز "الشاباك " السابقين، وقائد سابق لسلاح البحرية، الذي اعترف مؤخراً بأنه شخصياً قتل من العرب والفلسطينيين أكثر مما قتلت حركة حماس من اليهود. والى جانب كل من ياتوم وايالون هناك الجنرالان بنيامين بن اليعاز وافرايم سنيه الذين تعاقبا على قيادة قوات الاحتلال في للضفة الغربية، وهما يفخران بأنهما كانا صاحبا الدور الأكبر في تدمير بيوت المواطنين الفلسطينيين، ويقران أنهما كانا يتواطآن مع المستوطنين في مصادرة أراضي الفلسطينيين لبناء المستوطنات في ارجاء الضفة الغربية.

أن الجهود التي تبذلها الاحزاب الاسرائيلية في سعيها لاستقطاب جنرالات الجيش وكبار قادة المخابرات الذين اشتهروا دون غيرهم بدورهم في عمليات القمع له ما يبرره بالنسبة لهذه الاحزاب. وهذا التوجه ليس نابع فقط من عملية " عسكرة " السياسية الاسرائيلية المتواصلة منذ قيام الدولة العبرية، بل أيضاً بسبب ادراك هذه الاحزاب للتوجهات المتطرفة والعنصرية للجمهور الاسرائيلي تجاه العرب والفلسطينيين.فالناخب الاسرائيلي يثق بمثل هؤلاء الجنرالات لأن لهم باع طويل في " تجريع العدو العربي كؤوس المنون "، لذلك لم يكن مفاجئاً أن يحرص ايهود براك عندما تنافس في العام 1999 على رئاسة الوزراء امام بنيامين نتنياهو على تذكير الناخب الاسرائيلي بالفرق بينه وبين نتنياهو. فقد قال براك حينها " لقد كنت اشعر بالسعادة عندما كان يتطاير بياض عيون الفلسطينيين والعرب الذين كنت اقوم باغتيالهم عبر تسديد رصاصة في الرأس ". أن تهافت الأحزاب الصهيونية على اجتذاب " نجوم ومقاولي" عمليات القمع يكشف الوجه الآخر لهذه الدولة وهذا المجتمع القائم على العدوان والجرائم.

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر