موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
دور حرب 73 في تعزيز المشروع الاستيطاني الصهيوني
إن كانت حرب 1967 قد أسهمت في بلورة الأرضية الفكرية للمشروع الاستيطاني اليهودي في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة حديثاً، فقد سمح الفشل في حرب 1973 بتوفير كل الظروف في أن تتحول الفتاوى والأفكار إلى حقائق استيطانية على الأرض. فقد أدى الفشل الإسرائيلي في حرب 1973 إلى المس بمكانة كل من الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية في تل أبيب، وباتت النخب الحاكمة تواجه لجان التحقيق التي شكلت لتقصي أسباب القصور خلال الحرب، وسادت أجواء تعكس تدني الروح المعنوية للمجتمع الإسرائيلي، وتعاظمت روح الاحتجاج ضد المؤسسة الحاكمة. ووجد المتدينون القوميون في هذه الاحتجاجات فرصة سانحة للشروع في تهيئة الظروف أمام انطلاق المشروع الاستيطاني في الأراضي المحتلة، بوصف هذا السلوك نوعاً من أنواع الاحتجاج ضد الحكومة التي فشلت في ساحة الحرب. وفي شتاء العام 1974 أعلن المتدينون القوميون عن انطلاق حركة "غوش إيمونيم"، أي (جماعة الإيمان) كذراع مسؤول عن إدارة الأنشطة الاستيطانية. وكانت الرسالة التي حملتها "غوش إيمونيم" للرأي العام الإسرائيلي بسيطة، ومفادها أن "الخروج من المأزق الذي علقت فيه الدولة في أعقاب الحرب يتمثل في استعادة روح المبادرة ورفع معنويات الجمهور باستيطان أرض الأجداد" . وأكدت الحركة أن هدفها الرئيس هو الحفاظ على أرض إسرائيل ومنع التنازل عنها في أية تسوية سياسية للصراع، وتكثيف الاستيطان فيها. ومن أجل حشد دعم القوى العلمانية لبرنامجها فقد أوضحت "غوش إيمونيم" أنها تركز فقط على الأجندة السياسية، وليس على الأجندة الدينية، أي أنها لن تخوض غمار المواجهة التي تخوضها الأحزاب والحركات الدينية التي تطالب بصبغ حياة الدولة بالصبغة الدينية. وعملت الحركة على تعميق شعور العلمانيين بالثقة تجاهها، فحرصت الحركة الوليدة على ضم رموز علمانية لصفوفها؛ علاوة على ذلك فإنها حرصت على تنسيق خطواتها مع الأحزاب اليمينية العلمانية، ولم تستند فقط إلى تأييد الأحزاب الدينية. وكان أحد أهم مصادر نجاح هذه الحركة يكمن في حقيقة نجاحها في إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأن قادتها وأعضاءها هم "الرواد الحقيقيون" للمشروع الصهيوني، وذلك بسبب حالة الإحباط التي عاشها المجتمع الإسرائيلي في أعقاب الحرب الفاشلة . وقد تسلل تأييد الحركة الجديدة إلى أروقة الحكومة الإسرائيلية التي كان يرأسها إسحاق رابين؛ ومن المفارقة أن أحد أبرز حلفاء "غوش إيمونيم" في ذلك الوقت كان وزير الدفاع شمعون بيريس الذي كان يمارس ضغوطاً كبيرة على زملائه وعلى قادة الجيش من أجل تأييد إقامة المستوطنات التي خططت "غوش إيمونيم" لإقامتها، ومنع بيريس المؤسسة الأمنية من التعرض للمتدينين القوميين الذين شرعوا في إقامة أنوية لمستوطنات في أرجاء الضفة الغربية بدون موافقة الحكومة . وحرصت "غوش إيمونيم" على نزع الشرعية عن الحكومة الإسرائيلية كجهة صاحبة اختصاص في منعها من الشروع في استيطان الأراضي المحتلة. ووجه الحاخام يوئيل بن نون، أحد قادة الحركة، خطاباً لرئيس الوزراء إسحاق رابين في تموز عام 1974، جاء فيه "حكومتك ليست ذات سيادة، وسياستها تفرض من الخارج، ونحن لا ندير كفاحاً من أجل الاستيطان، بل من أجل استقلال شعبنا، وشعبنا يدرك أن فقدان الاستقلال هو المؤشر الأول لبداية الفناء" . واستغلت الحركة حالة التعاطف الجماهيري وتواطؤ عدد من وزراء الحكومة معها في إقامة أول مستوطنة على أرض عربية، فكان إقامة مستوطنة "كيشت" على أرض هضبة الجولان السورية في صيف عام 1974. وتوالى بعد ذلك إنشاء المستوطنات في أرجاء الأراضي التي احتلت عام 67: الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وسيناء وهضبة الجولان. وأثبتت "غوش إيمونيم" قدرة كبيرة على توظيف الأحداث الأمنية توظيفاً سياسياً لتسويغ إقامة المزيد من المستوطنات، وكانت تستغل عمليات المقاومة ضد الاحتلال التي كانت تنفذها الحركات الفلسطينية في تبرير إقامة المستوطنات . وقد قال أحد حاخامات الحركة لدى تأبينه أحد طلابه الذي قتل في هجوم شنه مقاومون فلسطينيون على مدرسة دينية في مدينة الخليل عام 1981 "أن موتك يخدم الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية"، وبالفعل فقد سمحت الحكومة الإسرائيلية، في أعقاب هذه العملية، بتوطين اليهود في مدينة الخليل لأول مرة على نطاق واسع . ومما لا شك فيه أن الانقلاب السياسي الذي حدث عام 1977، والذي تمثل في فوز اليمين برئاسة الليكود لأول مرة، نقطة تحول فارقة في مسار الاستيطان اليهودي وفي نشاط "غوش إيمونيم"، حيث كان هناك تقارب كبير بين مواقف "غوش إيمونيم" والأحزاب اليمينية العلمانية في كل ما يتعلق بالاستيطان اليهودي في الأراضي المحتلة. وقد تحسنت قدرة الحركة على تنفيذ المشاريع الاستيطانية عندما تولى أنصارها حقائب وزارية، حيث تمكنت الحركة من الحصول على الموازنات الضخمة لإرساء المزيد من الحقائق الاستيطانية في الأراضي العربية المحتلة. ووصل الأمر بأن رفعت الحركة شعار "مستوطنة في غضون ثماني ساعات"، حيث يقوم النشطاء بالسيطرة على أراضي القرويين الفلسطينيين، ويقومون بوضع عدد من البيوت الجاهزة، وبعد ذلك يتم ربطها بشبكات الكهرباء والمياه والهاتف، فتصبح المستوطنة حقيقة ناجزة، حيث يضطر الجيش إلى إرسال قوة عسكرية لحماية المستوطنة الجديدة، التي تتوسع بعد ذلك في كل الاتجاهات. قصارى القول أن حرب 73 تمثل نقطة تحول فارقة نحو تعزيز المشروع الصهيوني وإضفاء شرعية عليه في نظر الرأي العام الصهيوني.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر