موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
بوش وفوز حماس ... ومنطق شيخ " العلياهية "
كان عبد الله بن السيد بهاء الدين من التجار العراقيين الذين دأبوا في العشرينات على نقل البضائع من بلاد الشام الى ايران، وكان يمر في رحلته التي كان يقطعها على الجمال بمنطقة كركوك وخافقين في شمال العراق. وكانت تسكن هذه المنطقة طائفة متطرفة من الشيعة عرفت بإسم " العلياهية "، أجمع المسلمون سواء كانوا سنة أو شيعة على تكفيرهم. وفي احدى سفرات بهاء الدين في هذه المنطقة خرج عليه نفر من إحدى القرى التي تسكنها هذه الطائفة وسلبوا أمواله وبضاعته، واقتادوه الى شيخ القرية، طلب " الشيخ " من بعض الرجال أن يقطعوا رأس بهاء الدين فوراً، فهدى الله بهاء الدين الى الصراخ بصوت عال، فقال له الشيخ: لماذا تصرخ، فقال له بهاء الدين أتقتلونني وأنا من ذرية علي بن أبي طالب، ومد يده الى بطاقة كانت في جيبه كان مدوناً فيها حسابات التجارة، فقدمها للشيخ قائلاً: هذا ما يثبت نسبي، لم يكن " الشيخ " ولا أحد من رجاله يعرف القراءة، فما كان من الشيخ إلا أن قام بالركوع أمام بهاء الدين، وطلب من رجاله أن يركعوا له، وقاموا بتقديم المأكولات له، وأصبحوا ينادونه: يا سيدنا، وفي الليل عندما أخلد بهاء الدين للنوم، وهو يحلم أن يصبح صاحب حظوة في المكان بأسره، فإذا بأحد أفراد القبيلة يوقظه قائلاً :سيدنا، " الشيخ " يريد قتلك عند الصباح، صعق بهاء الدين: يقتلنني لماذا ؟، قال: لأنه لا يوجد في قريتنا قبر لولي نزوره، يوجد قبر لولي في قرية بيننا وبين أهلها ثارات كبيرة، ونخاف أن نذهب الى هناك، فيريدون قتلك حتى يتم دفنك هنا، وبالتالي يتحول قبرك الى مزار.. جن جنون بهاء الدين، وما أن نام القوم حتى انطلق هائماً على وجهه ولم يفق حتى وجد نفسه داخل الحدود الإيرانية.. إن حال الرئيس الأمريكي جورج بوش مع الديموقراطية كحال " الشيخ العليهاني "، مع بهاء الدين، فكما كان الأخير يريد تقديس بهاء الدين بقتله ودفنه، فأن بوش أيضاً يقدس الديموقراطية على الطريقة نفسها. فبوش الذي اعتبر أن أكبر مشكلة تواجه علاقات الولايات المتحدة بالعالم العربي هو غياب الأنظمة الديموقراطية، وسيادة الأنظمة الشمولية القمعية، وأعتبر أن مهمته الرئيسية ستكون العمل على نشر الديموقراطية. لكن ولع بوش بالديموقراطية لم يصمد طويلاً عندما جاءت صناديق الاقتراع بما لا يسره، فأنقلب على الديموقراطية، كما حدث مع الانتخابات الفلسطينية التي فازت فيها حركة حماس. واذا بوش نفسه يريد وأد التجربة الديموقراطية في فلسطين عبر حصارها وفرض الاشتراطات على المنتصر فيها أملاً في تعطيل نتائجها، وكأنها لم تكن. " حماس " التي جاءت بها صناديق الاقتراع هي بالنسبة لبوش منظمة ارهابية يتوجب اقصاؤها وعدم التعامل معها لأنها تنادي بتدمير إسرائيل، وتعتمد العمل المسلح سبيلاً لتحرير فلسطين المحتلة. لكن بوش نفسه لا يجد غضاضة في كيل المديح ل " الديموقراطية " الإٍسرائيلية التي تأتي بمجرمي الحرب وأكابر السفاحين. وهذه " الديموقراطية " تسمح لآفي ديختر الرئيس السابق لجهاز المخابرات الداخلية المعروف ب " الشاباك " بالانضمام لحزب " كاديما " الحاكم ليتولى منصباً هاماً في الحكومة. وغني عن القول أنه لا يوجد في الدولة العبرية شخص ارتبط اسمه بجرائم القمع ضد الشعب الفلسطيني أكثر من ديختر، سيما خلال انتفاضة الأقصى. فديختر لا يفوت فرصة دون التباهي بما يعتبره أهم " انجازاته " وهي تكريس عمليات الاغتيال لتكون أهم مركب في الجهد الأمني الصهيوني في مواجهة حركات المقاومة. ليس هذا فحسب، بل إن ديختر لا يتردد في الاعتراف بأنه يتلذذ في رؤية الأطفال الفلسطينيين وهم يعانون من القمع الإسرائيلي. طبعاً لم يفكر بوش بمعاقبة ديختر، بل أن وكالة الاستخبارات الأمريكية " السي آي ايه " استدعت ديختر لاطلاعها على خبرته في ممارسة الاغتيال، كما اعترف هو نفسه للقناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي بتاريخ 25/6/2005. و" النظام الديموقراطي " في اسرائيل هو الذي سمح لجدعون عيزرا النائب الأسبق لرئيس " الشاباك " بتولي منصب وزير الأمن الداخلي، وهو الذي يطلق عليه في إسرائيل " رئيس محكمة العالم السفلي "، بسبب ارتباطه بعمليات الإعدام الميداني التي قامت بها المخابرات الإسرائيلية ضد نشطاء حركات المقاومة الفلسطينية بعد وقوعهم في الأسر. وعيزرا هو الذي نادى بقتل ذوي منفذي العمليات الاستشهادية على اعتبار أن هذا عامل ردع يمكن أن يساهم في وقف العمليات الاستشهادية. و " الديموقراطية " الإٍسرائيلية هي التي سمحت لمجرم مثل ايهود ياتوم، الذي كان من قادة جهاز " الشاباك "، والذي تباهى في كل مقابلة صحافية أنه قام في العام 1981 بتحطيم جمجمتي مقاومين من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد إلقاء القبض عليهم واستسلامهم له. و " ديموقراطية " اسرائيل هي التي سمحت لداني ياتوم ( شقيق ايهود ياتوم )، الرئيس الأسبق لجهاز " الموساد "، أن يتولى موقعاً قيادياً في حزب العمل، وهو الذي في عهده تمت محاولة اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في العام 1997، إلى جانب اقترافه المئات من الجرائم التي قام بها " الموساد . وأن كان بوش مهتم بمعرفة الارهابيين الحقيقيين، فعليه أن يستمع للجنرال عامي ايالون، الذي اصبح أيضاً من القادة البارزين لحزب العمل، وهو أحد رؤساء جهاز "الشاباك " السابقين، وقائد سابق لسلاح البحرية. فقد اعترف ايالون مؤخراً بأنه شخصياً قتل من العرب والفلسطينيين أكثر مما قتلت حركة حماس من اليهود. من هنا فأنه من العار أن يسلم العرب بمعايير بوش الخرقاء للديموقراطية، فمن أوغل في قتل الفلسطينيين والعرب ظلماً وعدواناً بأمكانه أن يصبح على رأس دوائر صنع القرار في الدولة العبرية ويحظى باحترام بوش وتقديره، في حين من يقارع المحتل ذوداً عن نفسه وتشبثاً بالحياة الكريمة يتم نزع الشرعية عن وجوده.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر