موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الحاخامات يتولون حقائب خدماتية....و"علماء المسلمين"؟

إنها حقاً مفارقة،لم يحدث أن تولى أحد عالم دين في العالم العربي حقيبة غير حقيبة الأوقاف، طبعاً،بشرط أن يكون من علماء السلاطين،في حين أن الحاخامات اليهود،الذين هم قادة في الأحزاب الدينية يشغلون الحقائب الخدماتية. لقد تولى حاخامات مهام وزراء: الداخلية،التعليم،الرفاه الاجتماعي،الإسكان،الصحة،الاتصالات،البنى التحتية،وغيرها.وتحاول الأحزاب الدينية في الكيان الصهيوني مراكمة أكبر قدر من الانجازات عبر تضمين البرامج السياسية والاتفاقيات الائتلافية التي تستند إليها الحكومات في تشكيلها بنوداً لتكريس التزام الحكومات بتحقيق هذه الانجازات، لذا فإن النفوذ الذي تراكمه الأحزاب الدينية من خلال مشاركتها في الائتلافات الحاكمة لا يرجع فقط إلى توليها حقائب وزارية محددة، بل يستند بشكل أساس إلى قدرتها على إملاء الكثير من مواقفها. فالأحزاب والحركات التي تمثل الحريدية الغربية، وتحديداً "أغودات يسرائيل" و "ديجل هتوارة" أو "يهودوت هتوارة" عكفت على المشاركة في الائتلافات على تعاقبت على الحكم منذ العام 1977، حيث إنها تشارك أحياناً في الائتلافات الحكومية، دون أن يشغل ممثلوها حقائب وزارية، حيث تحرص على تحقيق مصالحها من خلال بنود الاتفاقات الائتلافية، لذا لا يمكن قياس قوة وحضور الأحزاب الدينية في التأثير فقط من خلال عدد الحقائب الوزارية التي تحصل عليها.

وتكتفي الأحزاب الحريدية الغربية في بعض الأحيان بالحصول على مناصب نواب وزراء لممثليها، لكنهم في الوقت نفسه يتمتعون بكامل الصلاحيات التي يتمتع بها الوزراء. وقد شغل ممثلو الأحزاب الدينية منذ العام 1977 حقائب وزارية خدمية مهمة، مثل التعليم، الصحة، الإسكان، العمل والرفاه الاجتماعي، الاتصالات، البنى التحتية،  والداخلية، وهي حقائب لم يسبق للأحزاب الدينية أن شغلتها، بالأضافة للشؤون الدينية.

أن حرص الأحزاب الدينية على السيطرة على عدد من الوزارات الخدمية المهمة مكنها من تحقيق هدفين رئيسيين:

أولاً: التأثير المباشر على سلم الأولويات في إسرائيل وتنفيذ أجندتها السياسية والأيدلوجية بشكل يتجاوز ما تم الاتفاق عليه في الاتفاقات الائتلافية. فعلى سبيل المثال حرصت الأحزاب الدينية على الاحتفاظ بوزارة الإسكان لأنها الوزارة المخولة بالإشراف على مشاريع البناء في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، من أجل التوسع في البناء في المستوطنات، على اعتبار أن ذلك يسهم في حسم مصير الأراضي الفلسطينية عبر أغراقها بالمستوطنات، لقطع الطريق على أية فرصة للتوصل لتسوية سياسية للصراع. وقد أقر وزير الإسكان الحالي الحاخام ميخائيل أتياس من حركة شاس العديد من المشاريع الإسكانية في الوقت الذي التزمت فيه الحكومة الإسرائيلية أمام العالم بتجميد الأنشطة الإسكانية في المستوطنات لمدة تسعة أشهر، بل إن أتياس اختار زيارة نائب الرئيس الأمريكي جون بايدن لإسرائيل في مارس 2010م  للإعلان عن مناقصة لبناء آلاف الوحدات السكنية في إحدى المستوطنات المحيطة بالقدس دون الرجوع للحكومة مما أحرج الولايات المتحدة .

ومن خلال احتفاظهم بوزارة التعليم في بعض الحكومات تمكن من المتدينون من التأثير على المناهج التعليمية والأنشطة غير المنهجية التي تدرس فيها، حيث أن القانون يخول وزير التعليم فرض تدريس مضامين محددة. وحرص الوزراء المتدينون الذين شغلوا منصب وزير التعليم على زيادة ساعات تدريس التوارة والتراث اليهودي في المدارس الحكومية العلمانية، وحتى عندما حل وزراء علمانيون محلهم لم يتم تغيير هذا الواقع .

وأخضع الوزراء المتدينون أنظمة العمل في وزاراتهم لقناعاتهم الدينية، فعندما تولى وزير من حركة شاس حقيبة الاتصالات عام 2006 فرض رقابة مشددة على استقبال مواقع الانترنت بحجة محاربة المواقع الإباحية على الشبكة، وعلى الرغم من معارضة ممثلي جميع الأحزاب العلمانية في الحكومة إلا أنه تم تطبيق التعليمات الجديدة .

ثانياً:التواصل مع قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي بشكل يسمح بالحفاظ على قوتها السياسية؛ حيث تستغل الأحزاب الدينية قيامها بتقديم الخدمات عبر هذه الوزارات من أجل المحافظة على جمهورها الانتخابي. فعلى سبيل المثال تتحكم وزارة الداخلية في تحديد الموازنات المخصصة لسلطات الحكم المحلي. لذا فقد حرصت حركة "شاس" على الاحتفاظ بوزارة الداخلية لأنها معنية بدعم المجالس المحلية التي يسيطر عليها أعضاء الحركة، أو التي يتواجد فيها اليهود الشرقيون على وجه خاص وهم الذين يشكلون الجمهور الانتخابي للحركة.

يتضح مما تقدم أن تأثير الأحزاب الدينية الهائل في إسرائيل لا يستمد فقط من خلال عدد وطبيعة الوزارات التي تسيطر عليها، بل بشكل خاص من خلال تضمين الاتفاقات الحكومية بنوداً تنسجم مع مواقفها السياسية والأيدلوجية وتخدم القطاعات السكانية التي تمثلها.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر