موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
تأثير الحاخامات على التوجهات السياسية للصهاينة

ترك الخطاب الأيدلوجي والسياسي الذي تبناه التيار الديني الصهيوني تأثيراً واضحاً على الاتجاهات السياسية للإسرائيليين، سيما فيما يتعلق بالموقف من الصراع مع العرب. وقد تبنى هذا التيار موقفاً رافضاً لكل الحلول السياسية للصراع، على اعتبار أنها تقوم على مبدأ الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة أو جزء منها. فحسب المنطلقات الدينية التي يحتكم إليها التيار الديني فإن الأراضي العربية المحتلة  تعتبر مجرد أرض يهودية تم "تحريرها" من "المحتلين" العرب. ونظراً لإدراك مرجعيات التيار الديني الروحية ونخبه السياسية الدور الحاسم للرأي العام الإسرائيلي في التأثير على دوائر صنع القرار في تل أبيب، فقد حرصت تلك المرجعيات والنخب على بذل كل جهد مستطاع للتأثير على المواقف السياسية الإسرائيليين، حيث لم تقتصر محاولات التأثير على المتدينين والتقليديين، بل طالت هذه المحاولات بشكل أساس الجمهور العلماني. ولقد اجتهدت المرجعيات الدينية والنخب المثقفة في التيار الديني في توظيف التراث الديني اليهودي من أجل عرض تعاون الحكومات الإسرائيلية مع الجهود الدولية التي تبذل من أجل تسوية الصراع سياسياً على أنه يتعارض مع تعاليم الدين اليهودي، وحققت في ذلك نجاحات كبيرة. وقد وظفت المرجعيات الدينية المسوغات الدينية لنزع الشرعية عن حق الحكومات الإسرائيلية كحكومات منتخبة في إجراء مفاوضات لإنهاء حالة الصراع مع العرب والفلسطينيين.

وفيما يتعلق بالقدس ومستقبل المسجد الأقصى، فقد حرصت المرجعيات الدينية على تعميم فتاوى أصدرت بيانات شددت على حرمة إجراء أي تفاوض بشأنهما، وحثت الجماهير الإسرائيلية على عدم السماح بأي حال من الأحوال بفقدان السيطرة اليهودية على القدس. وقد أصدر مجلس الحاخامية الكبرى، الذي يمثل المؤسسة الدينية الرسمية بياناً أكد فيه أنه يحظر حسب الشريعة التفاوض "حول مصير المسجد الأقصى، ويحظر تسليم السيطرة عليه للأجانب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالسيادة المطلقة يجب أن تبقى فيه لشعب إسرائيل وأي نقاش فيه يعتبر إثماً" . ويعرض التيار الديني الصهيوني للرأي العام الإسرائيلي بديلاً آخر غير التفاوض للتعاطي مع قضية القدس، ألا وهي إغراق المدينة، وتحديداً البلدة القديمة التي يتواجد فيها المسجد الأقصى والأغلبية الساحقة من الفلسطينيين باليهود. وقد تعاونت مرجعيات التيار الديني القومي مع مرجعيات التيار الحريدي في التأثير على اتجاهات الإسرائيليين من الصراع مع العرب. فالمرجعيات الحريدية الغربية التي كانت لا تبدي اهتماماً بالقضايا السياسية لعبت في الآونة الأخيرة دوراً كبيراً في نزع الشرعية عن صلاحية الحكومات الإسرائيلية المنتخبة في إجراء مفاوضات لحل الصراع مع العالم العربي، إذا كان الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة مطروح على بساط البحث. فقد أفتى الحاخام شنيرسون أبرز مرجعيات حركة "حباد" بعدم جواز التنازل عن الأراضي العربية بوصفها "أرض إسرائيل الكاملة". وجاء في الفتوى: "أرض إسرائيل بسيادة يهودية تنطوي على معانٍ دينية ذات أهمية قصوى، لذلك لا يجوز التنازل عن أي شبر من هذه الأراضي، وذلك بحكم الشريعة" .

ولقد قال الحاخام شلومو أفنير ذات يوم: "إن احتلال الأرض وإقامة المستوطنات أمر يفوق كل الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، إنه يفوق الحقوق القومية لهؤلاء الكفار الموجودين على أرضنا"، في حين اعتبر الحاخام يعقوب مدان أن حرب يونيو 1967 جزءاً من الأوامر الربانية لتطهير ما سمّاه "ميراث إبراهيم وإسحاق ويعقوب من سيطرة قوى الشر التي استولت على هذه الأرض" . وحرصت المرجعيات الدينية على تعبئة الجمهور الإسرائيلي ضد أي حزب يوافق على المشاركة في حكومة تتبنى التسوية كخيار لحل الصراع. فقد اتخذت المرجعيات الدينية موقفاً واضحاً وحاسماً من الانضمام للحكومات التي يشكلها حزب العمل، على اعتبار أنها حكومات تؤمن بالتفاوض سبيلاً لحل الصراع، خشية أن يؤدي ذلك للتنازل عن الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهذا يعني أن "أرض إسرائيل" أصبحت بالنسبة لهذا التيار الذي كان يرفض الاعتراف بالحركة الصهيونية قيمة عليا تشكل البوصلة التي توجه مواقفه السياسية.

وفي سعيها لإحداث أعمق تأثير على توجهات الجمهور الإسرائيلي من الصراع فقد حرصت المرجعيات الدينية على استثارة العاطفة الدينية. فقد اعتبرت بعض المرجعيات الدينية الهامة أن مجرد التفاوض مع العرب من أجل التوصل لتسوية سياسية للصراع يمثل "معصية" للرب توجب عدم الغفران، حيث قال الحاخام شاريوشوف هكاهين، عضو مجلس الحاخامية الكبرى، وحاخام تل أبيب: "هناك خطر كبير في التفاوض، لا يجوز لمن يفاوض أن يطلب الغفران حتى في يوم الغفران" . وحتى اقتراح منح الفلسطينيين الحكم الذاتي، الذي وافقت عليه بعض قوى اليمين، وعلى رأسها حزب الليكود، قوبل بالرفض الشديد من قبل التيار الديني الصهيوني، مع العلم أن هذا الاقتراح يبقي السيادة الأمنية والمدنية الحقيقية في يد إسرائيل.

وحرصت المرجعيات الدينية على تعبئة الجمهور الإسرائيلي ضد صيغ مشاريع التسوية التي تطرح لحل الصراع، ولم تتردد في الدعوة للمس بالمستويات السياسية الحاكمة التي توافق على هذه الصيغ. فقد اعتبر الحاخام الجنرال شلومو غورن الحاخام الرئيس الأكبر للجيش سابقاً أن منح الحكم الذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية يمثل نكران للدين اليهودي، وبالتالي فإن أي مسؤول يهودي يوافق على منح الفلسطينيين الحكم الذاتي، يتوجب النظر إليه على أنه ناكر للديانة اليهودية، وهو ذنب يوجب القتل، حيث تحث التوراة على قتل ناكري الديانة اليهودية، حاثاً على قتل دعاة منح الفلسطينيين الحكم الذاتي، مشبهاً مؤيدي الحكم الذاتي من بين اليهود بـ "الكفار الذين يتوجب على اليهود الورعين قتلهم" . وأفتى الحاخام شلومو أفنير بأن الشريعة اليهودية تحظر على المسؤولين اليهود السماح بمنح الفلسطينيين أي قدر من الحكم الذاتي.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر