موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
القيمة الإستراتيجية للمستوطنات في الضفة

لا يمكن تفسير تواطؤ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مع المستوطنين في السيطرة على الأرض الفلسطينية، وغضها الطرف عن ممارساتهم العنصرية وغير الإنسانية ضد المواطنين الفلسطينيين واستعداد هذه الحكومات لتحدي المجتمع الدولي، كنتيجة فقط للثقل السياسي المتعاظم للتيار الديني الصهيوني، أو للتقارب الأيدلوجي بين هذا التيار وحكومات اليمين التي تعاقبت على الحكم بعد عام 1977. صحيح أن هذين العاملين هامان، لكن هناك عامل آخر يعزز غض النخبة الإسرائيلية الحاكمة الطرف عن اندفاع أتباع التيار الديني الصهيوني للسيطرة على الأراضي الفلسطينية وإقامة المزيد من المستوطنات؛ حيث إن المستوطنات اليهودية التي أقميت في الضفة الغربية تحقق مصالح إستراتيجية هامة لإسرائيل. وتسهم  المستوطنات في الحفاظ على الضفة الغربية؛ التي منحت إسرائيل عمقاً استراتيجياً هاماً. فقد ظلت إسرائيل تعاني حتى عام 1967 من مشكلة "الخاصرة الضيقة"، حيث أن عرض إسرائيل كان في بعض النقاط لا يتجاوز ثماني كلم فقط، علاوة على أن معظم الأراضي الفلسطينية التي كانت تسيطر عليها إسرائيل قبل 1967 أراضي سهلية، في حين كانت قمم الجبال في الضفة الغربية التي تشرف على هذه السهول تحت سيطرة الحكم الأردني، وهذا ما كان تعتبره النخب السياسية والعسكرية الإسرائيلية مصدر تهديد استراتيجي على العمق الإسرائيلي. وبالتالي فإن مواصلة الاحتفاظ بمعظم مناطق الضفة الغربية يمثل مصلحة إستراتيجية إسرائيلية.

ويرى أنه لا يمكن إغفال حقيقة أن السيطرة على الضفة الغربية منحت إسرائيل مزايا عسكرية هائلة جداً تتمثل في: توسيع المجال الجوي اللازم للتدريبات التي يجريها سلاح الجو، علاوة على التوسع في إقامة القواعد العسكرية ومعسكرات الجيش، بدلاً من تدشينها داخل إسرائيل على حساب المساحات المخصصة للزراعة وللبنى الصناعية. في الوقت نفسه؛ فإن السيطرة على الضفة الغربية يمنح إسرائيل القدرة على السيطرة على مخزون المياه العذبة في الضفة الغربية؛ حيث إن 80% من مخزون المياه العذبة يقع أسفل سلسلة الجبال المنتشرة بين جنوب القدس وشمال الخليل. ومن أجل احكام السيطرة على هذه المنطقة فقد تعاونت الحكومات المتعاقبة مع التيار الديني الصهيوني في تغطية كل هذه المنطقة بالمستوطنات، حيث تشكلت كتلة كبيرة من المستوطنات أطلق عليها "غوش عتصيون"، تضم خمس عشرة مستوطنة. وهناك إجماع بين جميع الأحزاب الصهيونية في إسرائيل على أنه يتوجب الاحتفاظ بهذا التجمع في أي تسوية سياسية، مع العلم أنه يقطن في هذه المنطقة تحديداً عدد كبير من قادة الجمهور المتدين الصهيوني، كما إن قلة من قادة اليمين العلماني يقطنون في هذه المنطقة للتدليل على التصاقهم بالمشروع الاستيطاني، مثل وزير الخارجية الحالي أفيغدور ليبرمان الذي يقطن مستوطنة "نوغديم". في الوقت نفسه، فقد مثلت المستوطنات بالنسبة للنخب الحاكمة حلاً لمشاكل اقتصادية واجتماعية جمة داخل إسرائيل، فالمساحات الشاسعة من الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل في الضفة الغربية مثلت احتياطياً كبيراً من الأراضي ذات الثمن الرخيص التي تمكن الأزواج اليهودية الشابة من هجر المدن اليهودية المكتظة بالسكان والقدوم للاستقرار في المستوطنات في الضفة الغربية. 

ويتضح إن المستوطنات تمثل مصلحة إستراتيجية عليا لإسرائيل وهذا الذي يفسر حجم التواطؤ بين النخب الحاكمة والتيار الديني الصهيوني، لكن الخلاف الوحيد بين هذا التيار الديني الصهيوني والحكومات المتعاقبة، هو حقيقة استعداد هذه الحكومات لتفكيك بعض المستوطنات النائية والتي لا تتواجد ضمن كتل كبيرة، والانسحاب من التجمعات السكانية الفلسطينية ضمن تسوية سياسية للصراع؛ على اعتبار أن مثل هذا الثمن بإمكان إسرائيل أن تدفعه مقابل اعتراف العالم بشرعية احتلالها لبقية المناطق، وهذا ما يرفضه التيار الديني. لكن من الواضح أن المستوطنين هم ذوو اليد الطولى في هذا الخلاف؛ حيث تزايد عدد المستوطنين والمستوطنات باطراد. وقد توسع التيار الديني الصهيوني في إقامة المئات من البؤر الاستيطانية بدون تفويض من الحكومة الإسرائيلية والجيش، وبدون الحصول على إذن السلطات المختصة، ومع ذلك فإن الحكومات المتعاقبة لم تتردد في إضفاء الصبغة القانونية عليها.

ويجزم الدكتور خليل التفكجي، الخبير في مجال الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية والقدس، بأن هناك علاقة وثيقة بين تعاظم المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس وبين تحول الحركات والأحزاب الدينية للعب بيضة القبان لدى تشكيل الحكومات الإسرائيلية منذ عام 1977 . ويؤكد التفكجي أن دعم المشاريع الاستيطانية كان بنداً في برامج جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم إسرائيل منذ عام 1977. ويوضح التفكجي أن قادة التيار الديني الصهيوني وتحديداً حركة "غوش إيمونيم" حرصوا على أن تسهم الحقائق الاستيطانية على الأرض في إفشال أي محاولة للتوصل لتسوية سياسية للصراع. وحسب التفكجي، فإن المشروع الإستيطاني المعروف بـ "E1"، يعتبر مثالاً على الآلية التي يوظف بها التيار الديني الصهيوني الاستيطان لإحباط أي مشروع لتسوية الصراع مع الفلسطينيين في المستقبل. ويشير التفكجي إلى أن الشارع الرئيس الذي يربط جنوب الضفة الغربية بشمالها يمر بين مدينة القدس ومستوطنة "معاليه أدوميم"، التي تقع شمال شرق المدينة. وحسب التفكجي فقد حرص التيار الديني الصهيوني على بناء مشروع E1 ليصل القدس بمعاليه أدوميم، لكي يتم القضاء على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. وهذا يعني أنه لا يمكن بعد تدشين هذا المشروع أن يتم الإعلان عن دولة فلسطينية في الضفة الغربية لأن إقليم هذه الدولة لن يكون متصلاً.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر