موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
جذور الصدع العلماني الديني في إسرائيل

حفل تاريخ اليهود بالكثير من الصراعات الدامية التي نشبت بينهم على خلفية الاجتهادات الدينية المتضاربة أو بسبب تشدد المرجعيات الدينية في المطالبة بالتزام اليهود بالفرائض الدينية، حيث سالت الكثير من الدماء في هذه الصراعات. فخلال فترة التمرد اليهودي على حكم الرومان (66-73 م)، نشب صراع داخلي كبير بين مجموعة من اليهود أطلق عليها "السيكاركين"، كانوا يقيمون في تخوم مدينة القدس وبين رجال الدين في قلب مدينة القدس، وفي هذه المواجهة لم يتورع "السكاركين" عن قتل خصومهم في أحد معابد اليهود في قلب مدينة القدس بعد أن دخلوا المعبد بصفة حجاج .

إن الإرث الديني اليهودي يحارب التفكير المستقل بشكل عام، بدعوى أنه يدفع نحو الوثنية، وهذا ما يعبر عنه الرمبام،أحد أبرز حاخامات اليهود،والذي عاش في القرن الثاني عشر قائلاً:   "وليس فقط ممنوع أن نفكر في الوثنية، ولكن أيضاً في أية فكرة يمكن أن تدفع اليهودي بأن يشك في ركن واحد من أركان اليهودية... ويجب ألا نفكر في هذا الاتجاه، ويجب ألا نسمح لأنفسنا بالاستغراق في التأمل القلبي لأن الفهم الإنساني محدود، وليس كل رأي موجه للحقيقة الصريحة".

ولم تتردد المرجعيات الدينية في وسم أصحاب الاجتهادات المخالفة للفهم العام السائد للنصوص الدينية بالهرطقة، وتوسعت هذه المرجعيات في تعريف المهرطقين، بحيث اعتبرت أن كل من ينكر صلاحية التلمود كمرجعية دينية يعتبر "هرطيقاً"، وذهب بعض الحاخامات الى اعتبار كل من لا يحترم الحاخامات هرطيقاً، كأن ينادي الحاخام بإسمه، أو ألا يحترم يهودياً آخر في حضرة الحاخام . وقد تعرض اليهود الذين وسموا بالهراطقة على مدار تاريخ اليهود لأصناف شتى من التنكيل أحياءً وأمواتاً، حيث تم دفنهم كما تدفن الحمير، حيث استندت المرجعيات الدينية إلى حكم التوراة في ذلك . وفي عام 1772 نشب خلاف بين التيار الحسيدي في مدينة ليتوانيا وغيره من التيارات الدينية فتمت معاقبة الحسيديم بحرق كتبهم، في حين اغتال يهود متطرفون الحاخام أبراهام كوهين حاخام مدينة ليميرج الروسية عام 1848 بعد اتهامه بإصدار فتاوى غير متشددة. وأفتت مرجعيات دينية كبرى بقتل حاخامات لأنهم تهاونوا في فرض حرمة السبت في التجمعات السكانية اليهودية في أوروبا في العصور الوسطى حيث كان اليهود يتمتعون بحكم ذاتي. ومما عزز هذا الواقع سماح الحكومات الأوروبية لليهود بحرية مطلقة في مجال إدارة شؤونهم الدينية. وفقط بعد أن فقدت المجتمعات اليهودية في أوروبا مزايا الحكم الذاتي الذي تمتعت به في القرن الثامن عشر، توقفت الممارسات العدائية من قبل المجتمعات اليهودية ضد اليهود الذين اتجهوا لتبني أنماط تفكير مستقلة واعترضوا على الاجتهادات الفقهية التي بلورتها المرجعيات الدينية على مر التاريخ للنصوص التي تضمنتها التوراة والتلمود.

وبعد الإعلان عن إسرائيل عام 1948، شكل المتدينون أقلية صغيرة جداً مقارنة بالعلمانيين، وتولى العلمانيون مهمة إرساء دعائم الكيان الجديد وتم الاعتماد عليهم في الجهد العسكري وخوض الحروب، إلى جانب دورهم الطلائعي في النهضة الاقتصادية والعمرانية، ومع ذلك فإن النخب العلمانية الحاكمة عملت على تأسيس نظام فريد لتخفيف حدة الصراع بين المتدينين وغير المتدينين، بهدف استيعاب الجماعات الدينية اليهودية داخل الجماعة "الوطنية"، وكان يحرك النخب العلمانية الحاكمة سعيها إلى إعادة تعريف الهوية الجماعية لليهود تعريفاً يتطابق مع هوية إسرائيل، بحيث يخلط هذا التعريف بين المكونات الدينية والمكونات "الوطنية" . وضمن ذلك أبدت النخب العلمانية استعدادها للقيام بترتيبات تسمح باستيعاب الجماعات الدينية داخل الجماعة الإسرائيلية. وأخذت هذه الترتيبات تعبيرها الأبرز في صياغة عقد اجتماعي أطلق عليه وثيقة "الوضع الراهن"، الذي بموجبه وافقت النخب العلمانية طوعاً على فرض قيودٍ دينية على الكثير من مناحي الحياة في الكيان الجديد من أجل استرضاء الأقلية المتدينة، فالتزمت النخب الحاكمة باحترام يوم السبت بوصفه عطلة، وتعهدت أن يتم اتخاذ كل الخطوات اللازمة لكي يتقيد أي مطعم رسمي بتقديم الطعام المعد حسب الشريعة اليهودية "كاشير"، واستعدت لمراعاة التعاليم الدينية عند اتمام عقود الزواج، حيث جاء في البند المتعلق بالزواج: "بذل كل ما بالمستطاع لازالة وتبديد أي شكوك في شأن الحاجة العميقة لوحدة وسلامة الدين والحيلولة دون تقسيم شعب إسرائيل إلى قسمين" .

وعلى الرغم من أن نصوص وثيقة "الوضع القائم" كانت واضحة جداً، إلا أن المتدينين تشددوا كثيراً في تفسير هذه النصوص للتضييق على العلمانيين، فعلى سبيل المثال نصت الوثيقة على وجوب أن تقدم المؤسسات الرسمية طعام كاشير، لكنها في المقابل لم تنص بألا يكون إلى جانب هذا الطعام طعام غير كاشير، ورداً على تشدد المتدينين في تطبيق هذا البند، فقد دعا عدد من النواب العلمانيين الذين انتخبوا بعد أول انتخابات تشريعية إلى أن يقوم مقصف الكنيست بتقديم طعام غير كاشير إلى جانب الطعام الكاشير، وهو ما رفض من قبل رئاسة الكنيست . وقد تبنت المؤسسات الرسمية العلمانية تفسير المتدينين للنص المتعلق بالطعام الكاشير، فحرصت مؤسسات الحكومة والسلطات المحلية والجيش والمستشفيات على تقديم الطعام الكاشير فقط، حتى أن الأوساط العلمانية الراديكالية لم تعد تعترض على ذلك. وعلى الرغم من أن النص المتعلق بالزواج لم ينص بشكل صريح وحازم بأن تكون قوانين الزواج مطابقة تماماً للأحكام الشرعية الدينية، إلا أن الدولة منحت المحاكم الدينية والمؤسسات الحاخامية صلاحيات مطلقة في شؤون الزواج والطلاق والميراث.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر