موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ما يغري المتدينين بتحدي العلمانيين في إسرائيل

مثلت نتائج انتخابات عام 1977 نقطة تحول فارقة في الاستقطاب بين المتدينين والعلمانيين، حيث أن انضمام ممثلي التيار الديني الحريدي لأول مرة إلى الائتلاف الحاكم، مكن هذا التيار من تحسين قدرته على تحقيق انجازات كبيرة على هذ الصعيد. وقد وظف المتدينون تأثيرهم المتزايد على دوائر صنع القرار في سن المزيد من القوانين التي تكرس الطابع اليهودي وتزيد من القيود على العلمانيين.أن العديد من العوامل أسهمت في إذكاء روح الاستقطاب بين العلمانيين والمتدينين، ولم يكن الأمر فقط نتاج مشاركة الأحزاب الدينية في الائتلافات الحاكمة ودور هذا التطور في زيادة ثقة التيار الديني بنفسه ليزيد من إصراره على تكريس الطابع اليهودي ويقلص بذلك هامش الحرية المتاح للعلمانيين في الدولة. ولقد أدت معدلات الولادة العالية لدى العائلات المتدينة، وتحديداً العائلات الحريدية إلى زيادة الثقل الديموغرافي للمتدينين بشكل كبير، وهذا لم يؤد فقط إلى زيادة تمثيلهم في البرلمان، بل أغراهم للنزول للشارع ومواجهة أي سلوك يقدم عليه العلمانيون، وتعتبره المرجعيات الدينية مخالفاً لتعاليم الدين. وبناءً على بحث أجرته جامعة حيفا، فإن نسبة المتدينين في إسرائيل ستتجاوز في العام 2030 نسبة 50% من مجمل السكان، بمعنى ما بين 62% إلى 65% من مجمل اليهود في ذلك العام، وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإنه يعني انقلاباً تاماً في توجهات المجتمع اليهودي، من الناحية المدنية . وحسب المعطيات الإسرائيلية الرسمية، فإن نسبة تكاثر اليهود ككل في إسرائيل تبلغ 1.7%، في حين تبلغ نسبة تكاثر فلسطينيي 48 حوالي 2.8%، لكن نسبة تكاثر الحريديم اليهود تبلغ 3.2%، بينما نسبة تكاثر بقية اليهود حوالي 1.5%  . وحسب ذات المعطيات، فإن معدل الولادات للأم الواحدة من جمهور الحريديم يتجاوز 8 ولادات، وبين 6 إلى 7 ولادات لدى جمهور المتدينين القوميين، بينما معدل الولادات لدى الأم اليهودية العلمانية حوالي 1.5 ولادة، أما لدى فلسطينيي 48، فإن معدل الولادات للأم الواحدة 3.5 ولادة . ونظراً لتعاظم ثقلهم الديموغرافي، فقد شعر الحريديم بالثقة الكبيرة بالذات، والتي وجدت ترجمتها في التضييق على العلمانيين في كثير من التجمعات السكانية التي زاد فيها الثقل الديموغرافي للمتدينين، مثل مدينة القدس المحتلة. فنظراً للزيادة الهائلة في عدد المتدينين في القدس فقد أبدوا معارضة شديدة جداً لإقامة أية منشآت للترفيه تخص العلمانيين، ولم يعد بإمكان العلمانيين في هذه المدينة التي تعتبرها إسرائيل "عاصمتها الأبدية والموحدة" إقامة دور سينما أو مسارح، أو خرق حرمة السبت، وكانت النتيجة أن تركت أعداد كبيرة من العلمانيين المدينة وتوجهت للإقامة في مدن الوسط التي تتسم بأغلبية علمانية، وفي حال تواصل هذا الاتجاه فإن المتدينين سيشكلون أكثر من 80% من اليهود في المدينة في غضون عقدين من الزمن . وتتحدث الأرقام بنفسها عن الواقع الديموغرافي في مدينة القدس، ففي المدارس الدينية الخاصة وفي مدارس التعليم الديني الرسمي يتعلم أكثر من 116 ألف طالب، في حين يتعلم في مدارس التعليم الرسمي العلماني 39.489، وهذا يعكس الثقل المتزايد للمتدينين في المدينة .

وهناك علاقة وثيقة بين الحماس الديني وبروز النزعة الإثنية لليهود في إسرائيل خلال فترة الدراسة، فمعظم اليهود الشرقيين هم من المحافظين الذين يلتزمون بأداء فرائض دينية محددة ويتجاهلون الأخرى، ومع ذلك فإنهم يبدون مقاومة كبيرة إزاء محاولة العلمانيين المس بالطابع اليهودي للدولة، حيث أن الدين بالنسبة لهؤلاء الشرقيين يمثل جزءاً أساساً من الإرث الثقافي والهوية الإثنية، وبالتالي فإن هذه المجموعة الإثنية ترى في المس بالطابع الديني للدولة محاولة من النخب العلمانية ذات الأصول الغربية، استهدافاً للهوية الإثنية الشرقية وتراثها وتاريخها . ومن الواضح أن سلوك الشرقيين هذا يعزز بشكل كبير موقف المتدينين ويغريهم بمواصلة تحديهم للعلمانيين.

 وقد شهدت إسرائيل منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي هدت إسرائيل بشكل مفاجئ عودة الكثير من الشباب العلماني للدين، وأوضح الأسباب الكامنة وراء ذلك. وقد أدى تحول الكثير من الشباب العلماني للتدين إلى نتيجتين هامتين، فمن ناحية أضعفت هذه الظاهرة المعسكر العلماني ودلت على تهاوي حججه في مواجهة المتدينين، على الأقل حسب منطق الجماعات الدينية، ومن ناحية ثانية دلت التجربة على أن الشباب العلماني "التائب" هو أكثر استعداداً للانخراط في التصدي لما يعتبره المتدينون "محاولات علمانية للمس بالطابع اليهودي للدولة"، أي أن موجات التوبة عززت بشكل واضح الثقة بالنفس لدى المتدينين ومنحتهم احتياطياً بشرياً يتم توظفيه في تظاهرات إثبات الذات التي يقومون بها.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر