موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الحاخامات و"فقه" التوحش المسكوت عنه

د.صالح النعامي

المقال نشر في الجزيرة نت بتاريخ 1-1-2016

سمح الكشف عن هوية منفذي جريمة إحراق عائلة دوابشة الفلسطينية مؤخراً، بتسليط الأضواء على الحاضنة الدينية والأيدلوجية التي تنموا فيها التنظيمات الإرهابية اليهودية. فقد تبين أن هذه الجريمة التي تعد من أبشع من ارتكبته التنظيمات الإرهابية اليهودية حتى الآن، كانت نتاج تعبئة دينية وأيدلوجية وبتشجيع مباشر وغير مباشر من مؤسسات الحكم في الكيان الصهيوني. ودلت التحقيقات مع عناصر التنظيم الإرهابي المسؤول عن تنفيذ جريمة إحراق عائلة دوابشة وعشرات الاعتداءات الأخرى، أن القاسم المشترك بينهم انتماؤهم جميعاً لمدارس تديرها مرجعيات حاخامية بارزة اشتهرت بفتاويها المحرضة على قتل العرب وتسويغ كل أشكال العنف ضدهم.

 

قتل العرب كـ "فريضة شرعية"

لقد تبين أن معظم منفذي العمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين هم من أتباع الحاخام إسحاق غيزنبيرغ، الذي يدير مدرسة "عود يوسيف حاي" في مستوطنة "يتسهار"، المقامة على أراضي محافظة نابلس، حيث اشتهر غيزنيرغ بشكل خاص بفتاويه التي تحرض بشكل مباشر على قتل الفلسطينيين والفتك بهم. ففي مطلع العام 2013 أصدر غيزنيرغ ما يمكن اغتباره "المسوغ الفقهي" الذي عملت على أساسه مجموعات "شارة ثمن" الإرهابية اليهودية التي نفذت عشرات الاعتداءات في المدن والقرى والبلدات الفلسطينية وأحرقت عدداً كبيراً من المساجد وثلاث كنائس في الضفة الغربية وداخل المدن التي يقطنها فلسطينيو الداخل. وحسب غيزنيرغ، فأنه يتوجب تفهم جرائم "شارة ثمن" على اعتبار أنها "مقدمة طبيعية للخلاص اليهودي"، حيث عد هذه الجرائم بمثابة "المخاض الذي تمر به الأمة قبل تحقيق الخلاص"(صحيفة ميكور ريشون، 14-8-2013). ومما يدلل على الرابط القوي بين هذه الفتاوى والتنظيمات الإرهابية حقيقة أن جميع الذين ثبت تورطهم في جرائم "شارة ثمن" هم من طلاب غيزنيرغ نفسه. وعندما تم الكشف عن هوية منفذي جريمة إحراق عائلة دوابشة سارع غيزنيرغ لتقديم الغطاء "الشرعي والفقهي" لطلابه واعتبر أن هذه الجريمة كانت بمثابة تنفيذ لـ "فريضة شرعية"( هارتس، 24-12-2015). وتنبع خطورة فتاوى غيزنبيرغ في أنه يعد من أهم المرجعيات الدينية اليهودية على مستوى إسرائيل والعالم، ويتبعه عشرات آلاف من الشباب اليهودي. وقد سبق لغيزنبيرغ أن ألف كتاباً بعنوان "تبارك البطل"، خصصه لكيل المديح للإرهابي باروخ غولدتشاين، الذي أطلق النار في 22-4-1994 على المصلين في المسجد الإبراهيمي في الخليل أثناء ركوعهم في صلاة الفجر، فقتل 29 منهم وأصاب العشرات. لكن إصدار الفتاوى المحرضة على قتل الفلسطينيين لا تتوقف على غيزنبيرغ. فقد أيد الحاخام دوف ليئور، الذي يعد أبرز المرجعيات الدينية لحزب "البيت اليهودي" المشارك في الائتلاف الحاكم جريمة إحراق عائلة دوابشة؛ مع العلم أنه سبق أن وصف المجرم باروخ غولدشتاين بـ "الصديق" بسبب جريمته النكراء. وقد أثبت تحقيق عرضته قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية بتاريخ 26-12-2015 أن عدداً كبيراً من المرجعيات الدينية الوازنة تجاهر بتأييدها لجريمة إحراق عائلة دوابشة. وتلفت الصحافية الإسرائيلية أبيراما غولان الأنظار إلى أن بعض الحاخامات الذين تحفظوا على جريمة إحراق عائلة دوابشة أقدموا على ذلك بسبب قلقهم من تداعياتها وإمكانية أن تؤثر سلباً على مشروع إقامة "دولة الشريعة بدل دولة إسرائيل الحالية، وليس لدواع قيمية أخلاقية أو دينية"( صحيفة هارتس، 27-12-2015).

تسويغ ذبح الرضع العرب كإجراء وقائي

ومما لا شك فيه أن أخطر "المصنفات الفقهية" اليهودية التي صدرت حديثا، وتسوغ قتل العرب لمجرد أنهم عرب وعدم التفريق بين طفل وبالغ، هو كتاب "شريعة الملك"، لمؤلفه الحاخام إسحاق شابيرا، الذي صدر عام 2009. وهناك في إسرائيل من يرى أن أعضاء التنظيمات الإرهابية اليهودية الذين يتعمدون المس بالأطفال الفلسطينيين قد تأثروا بـمصنف "شريعة الملك" لأنه تضمن "مسوغات فقهية" توجب قتل الرضع العرب بحجة أنهم عندما يكبرون سيحاربون إسرائيل، لذا فالأجدر أن يتم قتلهم مبكراً. المفارقة، أنه على الرغم مما يعكسه هذا الكتاب من شطط وخلل أخلاقي وقيمي وديني، إلا أن العشرات من الحاخامات أيدوا ما جاء فيه؛ في حين اعتبره عدد من أعضاء مجلس الحاخامية الكبرى، التي تعد أكبر هيئة دينية رسمية في إسرائيل "إبداعاً فقهياً". أما الحاخام مئير دفيد دركمان، عضو مجلس الحاخامية العليا والحاخام الأكبر لمدينة "كريات موسكين"، فقد كتب مقالاً في موقع "حباد أون لاين"، الذي يعبر عن حركة "حباد" الدينية بعنوان: "أنا إرهابي فخور"، عدد فيه الأسباب التي توجب، حسب وجهة نظره، ضرورة منح منظمة "لاهفا" الإرهابية اليهودية جائزة "إسرائيل" التي تعتبر أهم جائزة رسمية، بسبب دورها في تنفيذ الاعتداءات على الفلسطينيين في القدس(هارتس،14-1-2015). ويمكن الإشارة إلى عشرات الفتاوى التي أصدرها كبار الحاخامات وتحث على القتل الصريح.

تشريع النهب والسلب

ولا يقتصر تحريض المرجعيات الدينية اليهودية على قتل الفلسطينيين، بل أن عدداً من كبار الحاخامات يهتم بـ "التأصيل الفقهي" لستويغ سرقة الفلسطينيين ونهب ممتلكاتهم ومحاصيلهم. ولقد أفتى الحاخام شموئيل مردخاي، عضو الحاخامية الكبرى والحاخام الأكبر لمدينة صفد المحتلة بأنه لا "خطيئة" على اليهودي في حال سرق من عربي لأن العرب في الأساس لصوص(هارتس، 23-12-2015). وقد حث الحاخام زلمان ملميد، من كبار حاخامات الصهيونية الدينية طلابه في مستوطنة "كرنيه شمرون"، الواقعة غرب مدينة قلقيلية، غرب الضفة الغربية، على سرقة محصول الزيتون من الفلسطينيين؛ كما أفتى نفس الحاخام بجواز تسميم الآبار التي يشرب منها الفلسطينيون(معاريف، 22-7-2013).

الحث على تدمير المساجد والكنائس

وقد عنت المرجعيات الدينية اليهودية بإصدار الفتاوى التي تحث على تدمير المساجد. ويرأس الحاخام يسرائيل أرئيل مؤسسة "معهد الهيكل" التي تعنى ليس فقط بالتأصيل الفقهي الذي يسوغ تدمير الحرم القدسي الشريف، بل أنها تأخذ على عاتقها التخطيط والإعداد لبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه. وهناك من الحاخامات من دعا حتى إلى تدمير المسجد الحرام في مكة المكرمة بحجة أن هذه العمل سيعمل على تيئيس المسلمين من جدوى مواجهة إسرائيل(يديعوت أحرنوت، 18-11-2010). ومن المفارقة أن عدداً كبيراً من الحاخامات مشغول حالياً بتقديم المسوغات التي توجب إحراق الكنائس، على اعتبار أن المسيحية "ضرب من ضروب الوثنية" لذا يتوجب عدم السماح بوجود دور العبادة التابعة له على في "أرض إسرائيل". وقد عثر بعض الحاخامات على ما اعتبروه مسوغاً فقهياً يوجب إحراق الكنائس في المصنفات الفقهية التي تركها الحاخام موشيه بن ميمون، المعروف بـ "الرمبام" والذي عاش في القرن الثاني عشر في كل من مصر والأندلس. ويشترط "الرمبام" السماح ببقاء المسيحيين على "أرض إسرائيل"  بالتزامهم بالفرائض السبع التي ألزم بها أبناء نوح، وهو ما يعني تخلي المسيحيين عن دينهم.  وقد استند الحاخام بنتسي غوفشتاين، زعيم تنظيم "لاهفا" الإرهابي خلال مؤتمر  "فقهي "نظم في آب الماضي في القدس المحتلة إلى فتوى الرمبام لكي يشدد على وجوب إحراق الكنائس(هارتس،11-8-2015). وعملاً بهذا الإرث "الفقهي" يتعرض الكثير من القساوسة في القدس لعمليات تنكيل من قبل عناصر التنظيمات الإرهابية اليهودية، حيث يقوم عناصر التنظيمات الإرهابية بالاعتداء على هؤلاء القساوسة والبصق عليهم(هارتس،30-6-2015). وعلى الرغم من الاعتداءات الموثقة على الكنائس والقساوسة إلا أن ذلك لم يشكل مسوغاً لدى الفاتيكان والمؤسسات الكنسية والغرب بشكل عام للاحتجاج وتسليط الأضواء على الإرهاب اليهودي وحاضنته الدينية.

فتاوى القتل بدعم حكومي إسرائيلي وأمريكي

إن أكثر ما يدلل على أن إسرائيل كـ "دولة" مسؤولة مسؤولية مباشرة عن فتاوى التحريض على القتل التي تصدر عن الحاخامات حقيقة أن جميع هؤلاء الحاخامات إما أنهم موظفو دولة يتقاضون رواتب جزلة من الحكومة أو أن مؤسساتهم الدينية والتعليمية تحظى بدعم كبير من وزارات الحكومة. فعلى سبيل المثال، على الرغم من فتاويهما المحرضة على القتل، فأن أحداً لم يفكر مجرد تفكير في وقف مرتبات الحاخامين دوف ليئور وشمؤيل إلياهو، بل أن الأخير بات مرشحاً لتولي منصب الحاخام الشرقي الأكبر. وإلى جانب الدعم المالي، فأن هناك دعم سياسي يحظى به الحاخامات من أصحاب فتاوى القتل. فقد خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن طوره ممتدحاً الحاخام ليئور، ووصفه بأنه " الكتيبة التي تقود شعب إسرائيل"؛ في حين وافق على القاء كلمة في مؤتمر نظمه الحاخام إسحاك غيزنبيرغ(هارتس، 19-8-2015). وقد جاهر بعض الساسة الإسرائلييين بقبول مسوغات الحاخامات "الفقهية"، حيث اعتبر النائب بتسلال سموطريتش، الذي يرأس اللجنة الاقتصادية في البرلمان، وينتمي لحزب "البيت اليهودي" المشارك في الائتلاف الحاكم كتب مقالاً عدد فيه المسوغات التي تجعل إحراق عائلة دوابشة ليس عملاً إرهابياً(هارتس،10-12-2015).

لكن دعم المرجعيات الدينية التي تحث على القتل لا يقتصر على إسرائيل، بل تلعب الولايات المتحدة دوراً رئيساً في ذلك. فقد دل تحقيق نشرته صحيفة "هارتس" في عددها الصادر بتاريخ 19-12-2015 على أن الولايات المتحدة تقدم اعفاءات ضريبية لمنظمات يهودية أمريكية تدعم ملايين الدولارات لمنظمات يرأسها حاخامات يدعون لتدمير الأقصى ولمدارس دينية يديرها حاخامات يصدرون فتاوى تحث على قتل العرب، وضمنها مدرسة الحاخام غيزنبيرغ.

أتباع الحاخامات في مراكز التأثير

إن ما يفاقم من خطورة تأثير فتاوى الحاخامات حقيقة أن طلاب وأتباع هؤلاء باتوا يتحكمون في أهم مراكز التأثير في الكيان الصهيوني. فرئيس الموساد الجديد يوسي كوهين، ومفتش الشرطة الجديد روني إلشيخ ورئيس جهاز المخابرات الداخلية "الشاباك" هم من النخب الدينية التي تتلمذت على في مدارس دينية أشرف عليها وأدارها الحاخامات المتطرفون. وإذا عرفنا أن أكثر من 60% من ضباط جهاز "الشاباك" وحوالي 40% من الضباط في الوحدات القتالية هم من أتباع التيار الديني الصهيوني، فأن هذا يدلل على أن هناك تأثير كبير لفتاوى الحاخامات على أولئك الذين يحتكرون التأثير على دوائر صنع القرار في تل أبيب.

خلاصة

يروق للعالم الاهتمام بتأثيرات فقه "التوحش" العدمي والضار الذي ينطلق منه تنظيم "الدولة الإسلامية"، والذي آذى المسلمين أكثر من غيرهم، لكن أحداً لا يولي اهتماماً لـ "فقه التوحش" الذي تعنى كبار المرجعيات الدينية اليهودية بتأصيله.  وفقه الحاخامات المتوحش أكثر تأثيراً من فقه "داعش"، حيث أن هؤلاء الحاخامات يحظون يحاضنة سياسية اقتصادية واجتماعية ذات طابع مؤسساتي ودولي متين؛ والسكوت عنه يبرز فقط نفاق العالم وازدواجية معاييره.

 

رابط المقال:http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2016/1/1/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AE%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D9%88-%D9%81%D9%82%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%83%D9%88%D8%AA-%D8%B9%D9%86%D9%87

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر