موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
قلق إسرائيل من مفاجآت بيئتها الإقليمية

لم تكن البيئة الإستراتيجية لإسرائيل في يوم من الأيام أفضل مما هي عليه الآن. فقد أسفرت التحولات الإقليمية عن تصفية معظم مصادر التهديد التي كانت تتحسب لها تل أبيب، دون أن تضطر لاستهلاك أي قدر من مواردها الخاصة في سبيل تحقيق ذلك. فقد انهارت الجيوش العربية التي مثلت أكبر مصدر للمخاطر التقليدية وغير التقليدية على إسرائيل. لقد تلاشى خطر انفجار الجبهة الشرقية بعدما انهار الجيش السوري، وتحول الجيش العراقي إلى ما أشبه بقوة شرطة غير مؤهلة. وأدى نجاح الثورات المضادة، وتحديداً في مصر إلى تبدد القلق الذي استبد بدوائر صنع القرار في تل أبيب من إمكانية أن تفضي ثورات الربيع العربي إلى تغييرات جذرية على توجهات أنظمة الحكم في الدول المؤثرة على الصراع العربي الإسرائيلي. فقد تهاوت المخاوف من أن تقود ثورة 25 يناير إلى حدوث تغييرات عملية على عقيدة الجيش المصري، سيما في كل ما يتعلق بالموقف من إسرائيل، بعد الانقلاب، الذي قاده عبد الفتاح السيسي. ليس هذا فحسب، بل أن الشراكة الإستراتيجية بين نظام السيسي وإسرائيل جعلت مصر ثاني أهم دولة، بعد الولايات المتحدة، تؤثر بشكل إيجابي على البيئة الإستراتيجية لإسرائيل، كما ترى محافل التقدير الإستراتيجي في تل أبيب(هارتس، 4-2). في الوقت ذاته، فقد أسهمت التحولات الإقليمية في تحييد دور الأجسام والمركبات غير السلطوية التي تهدد الأمن الإسرائيلي، سيما حزب الله وحركة حماس. فقد ضمن تورط حزب الله في القتال إلى جانب نظام الأسد، ليس فقط انشغاله عن المواجهة مع إسرائيل، بل أنه منح تل أبيب أيضاً هامش مناورة كبير لاستهداف الحزب في ظروف مثالية وتقليص قدرته على مراكمة القوة، دون أن تخشى ردة فعله. وقد حسنت التحولات الإقليمية مكانة إسرائيل في الصراع مع حماس بشكل كبير، بشكل باتت الحركة مطالبة بمراعاة قيود هذه البيئة عند استعدادها لأية مواجهة مع تل أبيب. ولا حاجة للتذكير بدلالات الاتفاق النووي مع طهران، والذي يزيح التهديد النووي الإيراني عن الطاولة لوقت طويل نسبياً.

لكن، وعلى الرغم مما تقدم، فأن إسرائيل تجاهر بقلق عميق من المستقبل تحديداً من طابع التحولات التي قد تعصف بالإقليم مجدداً. وتنطلق إسرائيل من افتراض مفاده أن اندلاع الثورات العربية في ديسمبر 2010 مثل أسس لانطلاق موجات من التغييرات المتلاحقة والمتواصلة، التي يستحيل توقع مآلاتها واستشراف تأثيراتها النهائية والتراكمية على المكانة الإستراتيجية للكيان الصهيوني. وإن كان الانقلاب الذي قادة السيسي في مصر، مثل أبرز تحول "إيجابي" أثر على البيئة الإستراتيجية لإسرائيل، لدرجة جلعت الجنرال عاموس جلعاد، مسؤول ملف العلاقات مع القاهرة يصف هذا الانقلاب بـ "معجزة لإسرائيل"؛ فأن هناك شكوك عميقة في تل أبيب إزاء قدرة هذا النظام على الصمود والبقاء. ولا حاج للتذكير بالبحث الذي أعده السيناتور الأمريكي السابق فين فيبر، ونشرته وكالة "بلومبيرغ"، واستند فيه إلى آراء عدد كبير من المسؤولين الإسرائيليين سياسيين وعسكريين، الذين أجمعوا على تشاؤمهم إزاء قدرة نظام السيسي على البقاء. وقد أفضت هذه المخاوف إلى مطالبة نخب وازنة في تل أبيب نتنياهو بإجبار السيسي على التوقيع على تعهد برعاية واشنطن يلتزم بموجبه بسحب قوات الجيش المصري من سيناء، بمجرد أن تنتهي المواجهات مع الجهاديين هناك. وحسب منطق هذه النخب، فأن بقاء هذه القوات بعد سقوط نظام الحكم الحالي يمثل تهديداً إستراتيجياً لإسرائيل. إلى جانب ذلك، فأنه على الرغم من احتفاء تل أبيب بالحرب التي يشنها السيسي في سيناء إلا أن ثقة تل أبيب في إمكانية أن ينتصر الجيش المصري في هذه  الحرب معدومة تماماً. وهذا ما تفسره المناورات الكبيرة غير المسبوقة التي يجريها الجيش الإسرائيلي على طول الحدود مع سيناء، تحسباً لاستهداف المستوطنات المتاخمة للحدود عبر عمليات تسلل ينفذها "الجهاديون". وقد مثل القرار ببناء جدار على طول الحدود مع الأردن تعبيراً عن المخاوف من أن تسفر التحولات الإقليمية إلى المس باستقرار النظام في عمان لدرجة قد تسهل انفجار الجبهة الشرقية مجدداً. وإن كانت إسرائيل ترى أن مصلحتها تكمن في استمرار حالة عدم الحسم في الصراع الدائرة في سوريا، على اعتبار أنها تضمن إنهاك كل الأطراف المتصارعة هناك، إلا أن تل أبيب في الوقت ذاته تخشى أن يسفر المستقبل عن واقع أكثر صعوبة، يضمن تحويل سوريا أو أجزاء منها إلى ساحات عمل ضدها. وقد توقف المؤتمر السنوي الذي نظمه "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي الشهر الماضي طويلاً أمام خارطة المخاطر المستقبلية في سوريا. وتزخر الساحة الفلسطينية بالكثير من مصادر التهديد، التي لا تملك إسرائيل حلولاً لها، بدءاً من عمليات المقاومة الفردية، التي تتواصل منذ اندلاع انتفاضة القدس مطلع أكتوبر الماضي، وطرأ عليها تحولاً نوعياً مؤخراً، ومروراً بالمخاوف من إمكانية انهيار السلطة الفلسطينية، وانتهاء بإمكانية تفجر مواجهة جديدة مع حماس في غزة، تعي تل أبيب أنها لن تحقق أهدافاً إستراتيجية في نهايتها. لكن مما لا شك فيه أن أكثر ما تخشاه تل أبيب أن يغيب أبو مازن عن المشهد في هذا الوقت تحديداً. وقد أوجز الجنرال بولي مردخاي، منسق الأراضي المحتلة في الحكومة الإسرائيلية مخاوف  المؤسسة الأمنية من تداعيات غياب عباس عندما وجهه حديثه لوزراء نتنياهو الذين ينتقدون عباس، قائلاً إن إسرائيل "ستشتاق كثيراً له، فلن يخلفه إلا قائد متطرف"( معاريف، 5-2).

قصارى القول، ينبع الاستنفار الإسرائيلي لمراكمة أسباب القوة، والذي أفضى إلى حدوث زيادة على موازنة الأمن، تحديداً في هذه الأوضاع التي تبدو مريحة لتل أبيب، من انعدام اليقين إزاء مستقبل تحولات الإقليمية ومفاجآته.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر