موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ما وراء حماس المتدينين الصهاينة لشن الحروب

يشكل تعاظم ثقل التيار الديني الصهيوني في عملية صنع القرار في تل أبيب تحدياً جدياً للعالم العربي والشعب الفلسطيني. فهناك علاقة وثيقة بين مظاهر حماس التيار الديني الصهيوني للحروب ومصادر التفكير اليهودي. فقد لعبت هذه المصادر دوراً حاسماً في الاستلاب لخيار العنف بشكل عام، حيث تم التعبير عن الحماس للحرب بمفاهيم دينية صارخة. وهذا يعني أن تعاظم دور التيار الصهيوني على دوائر صنع القرار في إسرائيل يعني بالضرورة دفع هذا النخب الحاكمة في إسرائيل لشن المزيد من الحروب ضد العرب. لكن تفضيل التيار الديني الصهيوني الحروب والعنف ورفض الحلول السياسية للصراع مع العرب لا يرتبط فقط بمحددات الفكر الديني اليهودي؛ بل يتعداه أيضاً للحسابات المادية الأخرى، على اعتبار أن أقطاب هذا التيار يرون أن المشروع الاستيطاني الذي يتشبثون به سيكون ضحية التسويات السياسية، وبالتالي فإن شن الحروب هو الخيار الأمثل. من هنا، فأنه إلى جانب المسوغات الدينية التي تدفع التيار الديني للتحمس لشن الحروب ضد العرب، فإن بعض المرجعيات الدينية ترى أن شن الحروب كفيل بتحقيق مكاسب سياسية. ويرى الكثير من الحاخامات أن شن الحروب يتيح لإسرائيل تهجير العرب عن أراضيهم والسيطرة عليها. وقد أعلن الحاخامات: كوك وأرئيل وأفنير أن نشوب الحرب ستكون نعمة لليهود لأنها ستسمح بإبادة الفلسطينيين، مما يسمح بـ "تطهير" الأرض منهم، حيث أن العرب في نظرهم "مجرد لصوص نهبوا جميع الممتلكات التي تعود لليهود وحدهم" . ويرفض الحاخامات الدعوات التي تبعث الخوف في أوساط اليهود من نشوب الحروب، على اعتبار أن الرب سيقف دوماً مع اليهود، من هنا لم تتردد بعض مرجعيات الصهيونية الدينية في الدعوة لتوفير الظروف التي تسمح بنشوب الحروب حتى لو كانت إسرائيل ترتبط بمعاهدات سلام مع الدول العربية. ويقول الحاخام شلومو أفنير: "يجب علينا أن نعيش في هذه الأرض حتى وإن كان الثمن نشوب حرب، حتى وأن قام سلام هنا، يتعين علينا أن نحرص على اندلاع الحرب" . ونظراً لأن المرجعيات الدينية تؤمن أن أرض إسرائيل تمتد من نهر الفرات شرقاً وحتى نهر النيل غربا، فإنها ترى أن شن الحروب سيسمح لإسرائيل بـ "تحرير الأرض اليهودية السليبة هذه". فقد قال الحاخام أفنير في موضع آخر: "يجب علينا أن نحرص على اندلاع الحروب لتحرير أرضنا" .

وأقدمت المرجعيات الدينية على بعث الحماس في نفوس الجنود الإسرائيليين عند اندلاع الحروب مع العرب بتذكيرهم أنهم سيعملون على استعادة البلدان التي كانت في حوزتهم. ومن الأمثلة على ذلك قيام الحاخامية العسكرية خلال حرب لبنان الأولى بتوزيع خارطة للبنان على الجنود، وقد تم فيها تغيير أسماء المدن اللبنانية إلى أسماء وردت في التلمود. وعلى سبيل المثال تم تغيير اسم مدينة "بيروت" إلى "مئيروت"، وتم تعريف لبنان في هذه الخريطة بأنه كان يتبع قبائل بني إسرائيل الشمالية القديمة وتحديداً قبائل آشر ونفتالي . وحثت الحاخامية العسكرية الجنود عشية الحرب على الاستبسال في القتال من أجل تحقيق "الوعد التوراتي" المتمثل في إقامة مملكة إسرائيل من نهر الفرات وحتى حوض البحر الأبيض المتوسط.

واقتبس الحاخامات ما ورد في التوارة: "كل أرض يمسها نعل قدمك تكون لك، وحدودنا تكون من البرية، من نهر الفرات إلى البحر الغربي" . ونشر الحاخام إسرائيل أرئيل أطلساً يوضح الأرض التي يتوجب على اليهود أن يستولوا عليها في الحروب القادمة، وتشمل جميع الأراضي الواقعة غرب وجنوب نهر الفرات، وتتضمن سوريا والكويت .

ونظراً لأن الصهيونية الدينية ترفض الوقائع التي تبلورها معاهدات التسوية مع الدول العربية، إذا تضمنت انسحاباً من أراضٍ احتلتها إسرائيل في حروبها؛ فإنها ترى في شن الحروب وسيلة لتصحيح "الأخطاء" التي ارتكبتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. من هنا لم تتردد المرجعيات الدينية في الدعوة لشن حروب من أجل "تحرير" أراضي عربية احتلتها إسرائيل وانسحبت منها كنتاج تسويات سياسية، أو لاحتلال أراضي عربية اعتبرتها المصادر الدينية اليهودية أنها تخص اليهود. وقد دعت حركة "غوش إيمونيم" إلى "تحرير" سيناء التي انسحبت منها إسرائيل تطبيقاً لما جاء في اتفاقية "كامب ديفيد"، واحتلال لبنان، على اعتبار أن هاتين المنطقتين "أراضٍ يهودية" .

إن المرجعيات الدينية اليهودية تنطلق من افتراض مفاده إنه يتوجب توظيف الحروب في بلورة نظام يمنح اليهود دون غيرهم الامتيازات على أساس ديني. ويرسم مردخاي نيتسان، أحد المفكرين المحسوبين على التيار الديني الصهيوني، صورة الواقع الذي يجب أن يسود بعد أن تقع الشعوب الأخرى تحت احتلال اليهود؛ حيث يرى إنه يتوجب عدم استعمال أبناء الشعوب المحتلة في الوظائف، وفي حال لم يقبلوا ظروف العيش التي يمليها الحكم اليهودي، وعارضوا أنماط الحياة التي يؤمن بها اليهود، يتوجب شن الحرب عليهم.

من هنا، فأن وصول التيار الديني الصهيوني لسدة الحكم في تل أبيب يحمل في طياته تحدياً هائلة للمحيط العربي وللشعب الفلسطيني على وجه الخصوص.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر