موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
في " مدح " فصل رأس العربي عن جسده

صالح النعامي[1]

على الرغم من أن الحدث لم يحظ بأي اهتمام إعلامي عربي تقريباً، إلا أن منح وحدة " سييرت متكال "، أشهر وحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي أواخر الأسبوع الماضي " وسام البطولة " في احتفال عقد في مقر هيئة الأركان بتل أبيب يحمل دلالات خاصة. فبدون أن يقدم تفاصيل، عزا رئيس هيئة أركان الجيش الصهيوني جادي إيزنكوت منح هذه الوحدة، التي تتبع شعبة الاستخبارات العسكرية " أمان "، الوسام إلى " عمليات جريئة " نفذتها خلف الحدود وفي العديد من دول " العدو ". وقبل ثلاثة أشهر منح الرئيس الإسرائيلي روفي ريفلين عدداً من عناصر جهاز " الموساد " أوسمة لدورهم في تنفيذ عمليات خلف الحدود. وسبق لرئيس هيئة أركان الجيش السابق بني غانز أن تحدث في مطلع العام 2014 عن عشرات العمليات التي تنفذها وحدات إسرائيلية أسبوعياً خلف الحدود. وحسب التسريبات الإسرائيلية فأن سلاح البحرية، سيما وحدة الغواصات، تطلع بدور كبير في جمع المعلومات الاستخبارية عن أهداف في لبنان ومصر( ميكور ريشون، 5-2-2016). ومن الواضح أن العمليات الميدانية التي تنفذها إسرائيل على حدود الدول العربية أو في عمقها تهدف إلى جمع معلومات استخبارية عن أهداف محددة، أو أنها ترمي إلى تدشين بنى تقنية خلف الحدود لتحسين قدرة إسرائيل على التجسس الإلكتروني سواء عبر التصوير أو التنصت. إن تكثيف العمل الاستخباري الإسرائيلي في عمق العالم العربي في هذه الأوضاع تحديداً يأتي في إطار سعي إسرائيل للاستعداد لمواجهة تبعات التحولات في العالم العربي؛ على اعتبار أن المعلومات الاستخبارية تعد المتطلب الأساس لبناء بنوك الأهداف التي يمكن ضربها مستقبلاً في حال كانت هناك حاجة لذلك.

فحسب الرؤية التي عبرت عنها محافل التقدير الإستراتيجي في تل أبيب، فأن العالم العربي ينقسم إلى ساحتين لا ثالثة لهما. فساحة تحمل التحولات التي تشهدها حالياً في طياتها مخاطر مباشرة على الأمن الإسرائيلي، وساحة ترتبط دولها بعلاقات دبلوماسية أو تعاون سري، لكن يمكن أن تكون عرضة مستقلاً لتطورات تجعلها مصدراً لتهديدات مباشرة وغير مباشرة على إسرائيل. فعلى سبيل المثال، حسب المنطق الإسرائيلي، فأن التحولات التي تشهدها سوريا حالياً قد تفضي إلى مآلات تزيد من مخاطر تحول هذا البلد أو أجزاء منه إلى قواعد للانطلاق ضد إسرائيل. وفي المقابل، فأن بلدين يقيمان علاقات دبلوماسية ويرتبطان بشراكة إستراتيجية مع الكين الصهيوني، مثل الأردن ومصر، يمكن أن يتحولا مستقبلاً إلى مصدر من مصادر التهديد على الأمن الإسرائيلي. من هنا، لم يكن من المستهجن أن يفسر المعلق العسكري الإسرائيلي البارز أمير أورن دعوة وزير الحرب موشيه يعلون للاستعداد لعودة الجبهة الشرقية، وشروع تل أبيب ببناء جدار على طول الحدود مع الأردن على أنه تخوف إسرائيلي من إمكانية حدوث تحولات تفضي إلى حدوث تغيرات على طابع الحكم هناك، مع كل ما ينطوي عليه هذا التحول من تغيير على نمط العلاقة القائم حالياً بين تل أبيب وعمان (هارتس،17-7-2015).

 المفارقة، أن المؤشرات على تعاظم الأنشطة الاستخبارية الإسرائيلية في عمق العالم العربي تأتي في الوقت الذي بات التوسع في الحديث عن عمق التعاون والتنسيق بين إسرائيل والدول العربية لازمة، يحرص رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو مؤخراً على اقحامها في خطاباته للتدليل على " إسهام " جهوده السياسية والدبلوماسية في تحسين مكانة الكيان الصهيوني الإقليمية.

ويمكن الافتراض أن بعض الدول العربية التي قصدها نتنياهو كانت، في الوقت ذاته، ساحة لعمليات سرية نفذتها الوحدات الإسرائيلية الخاصة التي يغدق جنرالاته عليها الأوسمة، فتصبح الجهود السياسية والعمل الدبلوماسي السري الهادف إلى استغلال الطاقة الكامنة في التقاء المصالح الآني بين تل أبيب وعدد من الدول العربية مكملاً للعمل الاستخباري والأمني الهادف إلى التحوط للمخاطر التي قد تشكلها هذه الدول مستقبلاً. لكن نتنياهو لم يتحدث عن نمط آخر من جهوده الدبلوماسية التي تفضح الانتقائية في تفسيره وتوظيفه لالتقاء المصالح مع بعض الدول العربية، حيث أن إسرائيل تجاهر برفضها حصول دول الخليج على سلاح أمريكي متقدم، كما أن علاقاتها الحميمة مع الأردن لم تحل دون تحركها لإحباط توجه أمريكي لتزويد الأردن بطائرات بدون طيار ، خشية أن تقع هذه الطائرات في أيدي " جهات متطرفة "( معاريف، 4-7-2015).

إن الابتسامات العريضة التي يوزعها المسؤولون الصهاينة في اللقاءات السرية الحميمة مع المسؤولين العرب تغطي على الجهود الصهيونية الهادفة لبناء بنوك الأهداف في البلدان التي يمثلها هؤلاء المسؤولون.

لقد هلك أواخر الأسبوع الماضي مئير دغان رئيس الموساد الأسبق، الصهيوني الذي تمثل سيرته الذاتية طابع التعاطي الكلاسيكي الصهيوني مع العرب، والذي يقوم على الجمع بين غاية التوحش والدبلوماسية الناعمة. فلم تجد النخب الصهيونية التي رثت دغان وأثنت على " انجازاته " سوى اقتباس ما قاله عنه يوماً أستاذه وقائده أرئيل شارون عندما برر تعيينه رئيساً للموساد، حيث قال : " دغان يجيد فن فصل رأس العربي عن جسده ". فقد كان شارون يقصد الفترة التي عمل فيها دغان تحت أمرته في غزة مطلع سبعينيات القرن الماضي، حيث كان يقتل ضحاياه من الفلسطينيين بسكين ياباني " مشرط ". لكن دغان برع أيضا في منصبه الأخير، من خلال اتصالاته الصامتة، في تحسين العلاقات السرية مع الكثير من الدول العربية.

قصارى القول، المستغيثون بإسرائيل كالمستغيث من الرمضاء بالنار.

 

 

[1] رابط المقال: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2016/3/24/%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D8%AD-%D9%81%D8%B5%D9%84-%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%B9%D9%86-%D8%AC%D8%B3%D8%AF%D9%87-1

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر