موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
اليهودية الأرثوذكسية: عصب التيار الديني في إسرائيل

تبلورت "اليهودية الأرثوذكسية " كحركة دينية يهودية في أوروبا في النصف الأول من القرن التاسع عشر رداً على ظهور الحركات الإصلاحية في الديانة اليهودية، ودعوات العلمنة التي اجتاحت التجمعات السكانية اليهودية، ولمواجهة تيار كبير في الأوساط اليهودية دعا للتحرر من قبضة الحاخامات وفكرهم الانغلاقي والاندماج في المجتمعات الأوروبية .

وتعتبر اليهودية الأرثوذكسية أهم وأكبر الفرق اليهودية في العصر الحديث، وإن كانت لا تعد اتجاهاً جديداً في اليهودية؛ لأنها تمثل امتداداً لكل من فرقتي الفريسيين واليهودية التلمودية وتتبنى تقريباً نفس أفكارهما؛ وتسيطر حالياً على الحياة الدينية في إسرائيل؛ حيث تنتمي الأغلبية الساحقة من اليهود المتدينين لهذه الفرقة، مما مكنها من إملاء رؤيتها للدين واجتهادات مرجعياتها الفقهية على الدولة. وقد تمت صياغة قانون الأحوال الشخصية الإسرائيلي بناء على الأحكام التي أصدرها حاخامات هذه الفرقة،وتبنى القانون الإسرائيلي التعريف الأرثوذكسي لمن هو اليهودي، ولا تعترف المؤسسة الإسرائيلية الرسمية بيهودية أي شخص تهود على أيدي حاخامات من غير الحاخامات الأرثوذكس. ويعتبر الحاخام شمشون هيرش (1808-1888) رائد اليهودية الأرثوذكسية، والذي أسهم في بلورة أفكارها، وأخذ على عاتقه مهمة إقامة مؤسسات لتنظيم عملية مواجهة الأفكار الإصلاحية. وكان هيرش يرى أن اليهود يمثلون شعباً، لكن قوميتهم مختلفة عن القوميات الأخرى، وإنهم لن يتحولوا إلى شعب كامل، إلا بعد مجيء المسيح المخلص؛ لذا فقد دعا إلى ضرورة أن يتمسك اليهود بإقامة كل الشعائر الدينية والابتهال من أجل تعجيل عودة المسيح . وعلى الرغم من أن هيرش قد توفي قبل الإعلان عن الحركة الصهيونية إلا أن أفكاره مثلت منطلقات استندت إليها معظم مرجعيات اليهودية الأرثوذكسية في معارضة الصهيونية، فهو قد حذر من مغبة أن يسقط اليهودي في خطيئة التعجيل بنهاية شتات اليهود ورفض استقدام الخلاص بوسائل بشرية؛ ورأى أن اليهودي لا يملك الحق في أن يقرر العودة إلى أرض الميعاد متى يشاء، وذهب إلى حد المطالبة بأن يقبل اليهودي المنفى باعتباره تكليفاً ربانياً . وعارضت اليهودية الأرثوذكسية بشدة الحركة الصهيونية التي أخذت على عاتقها تنفيذ مهمة إعادة اليهود إلى "أرض الميعاد" وإقامة "وطن قومي" لهم هناك، ووصمت مرجعياتها الدينية الحركة الصهيونية بالكفر والزندقة؛ لأنها "تخالف تعاليم الرب" بسبب محاولاتها استبدال الخلاص الديني بخلاص بشري . ورأت المرجعيات الأرثوذكسية في عيش اليهود في الشتات بأنه "قضاء وقدر" من تصميم الإرادة الإلهية؛ واعتبرت أن العلاقة بين اليهودي و"أرض الميعاد" علاقة روحية بالأساس. وقد أعلن المجلس الأمريكي لليهودية وهو تنظيم ديني أرثوذكسي مناوئ للصهيونية أن إقامة دولة يهودية في فلسطين أو في أي مكان في العالم "يمثل فلسفة انهزامية لا تقدم حلاً للمشكلة اليهودية" . وحذرت المرجعيات الدينية الأرثوذكسية من أن الدعوات الصهيونية ستزيد من مشاعر العداء لليهود في العالم مما يفاقم المشكلة اليهودية. ورفضت اليهودية الأرثوذكسية على وجه الخصوص دعوات الصهيونية لإعادة استخدام اللغة العبرية في التخاطب اليومي، على اعتبار أنها لغة مقدسة يتوجب استخدامها فقط في الصلاة، مع العلم أن اليهود الأرثوذكس كانوا يتحدثون لغة "الإيدش"، وهي لغة خليط من اللغة الألمانية القديمة واللغة العبرية. وهاجم قادة اليهودية الأرثوذكسية بشدة مؤسس الصهيونية تيودور هيرتزل؛ ففي رسالة بعث بها الحاخام يوسيف سونفيلد زعيم الطائفة الأرثوذكسية في القدس عام 1898، إلى أحد أصدقائه، وصف هيرتزل بأنه "مجرد نطفة ملوثة" .

وإلى جانب الأرثوذكسية، هناك اليهودية الإصلاحية وهي فرقة دينية حديثة ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر وارتبطت بحركة التنوير التي أعقبت تفجر الثورة الفرنسية، وكرد فعل على حالة الجمود التي أصابت الحياة اليهودية بفعل تأثير المرجعيات الدينية. لم تؤمن هذه الفرقة بفكرة العودة إلى أرض الميعاد، وتحدت الإرث الديني اليهودي التقليدي عندما أباحت الاختلاط بين الجنسين في الصلاة ودور العبادة، وأدخلت الآلات الموسيقية في أداء الصلاة والأعمال التعبدية . لقد دعت اليهودية الإصلاحية إلى أن يعمق اليهودي ولاءه للوطن الذي يعيش فيه، وحثت على الإقبال على العلوم الدنيوية، وعملت على نزع القداسة عن الكثير من المعتقدات الدينية اليهودية.

وهناك اليهودية المحافظة التي نشأت في الولايات المتحدة أواخر القرن التاسع عشر، وهي بخلاف بقية الفرق اليهودية لا تحافظ على نسق فكري ديني واحد؛ حيث إن حاخامات هذه الفرقة يختلفون حول قضايا عقائدية، مثل: وجود الإله والوحي ويختلفون بشأن الأمور التعبدية والشعائر، لذا فهي تمثل تياراً عاماً متعدد الاتجاهات . وبشكل عام تركز هذه الفرقة على استمرارية التراث اليهودي في الوقت الذي تقلل فيه من شأن العبادات والعقائد، وهي ترى أن اليهودية تمثل في الأساس ثورة حضارية أكثر من كونها ديناً.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر