موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الذراع السياسي للحريدية الغربية في إسرائيل

د.صالح النعامي

أجودات يسرائيل"، أي جمعية إسرائيل، هو التنظيم السياسي الأبرز للحريدية الغربية في إسرائيل، وقد مثل انطلاق هذا التنظيم أحد وسائل الحريدية الغربية للرد على الحركة الصهيونية، ولمنافستها على ولاء اليهود المتدينين، ولمواجهة جهودها الهادفة إلى علمنة الوجود اليهودي في أرض فلسطين، ومن أجل تأطير اليهود المتدينين وحل مشاكلهم وفق تعاليم التوراة، وبما يشكل بديلاً عن الأطر الصهيونية . وقد أعلن عن انطلاق هذا التنظيم عام 1912 رداً على قرار المؤتمر الصهيوني العاشر الذي عقد عام 1911 تضمين البرنامج الصهيوني مجموعة من الأنشطة الثقافية التي تتعارض مع التعاليم الدينية. وقد أعلن عن تشكيل "أجودات يسرائيل" في مدينة كاتوفيتش ببولندا بمشاركة مرجعيات دينية حسيدية وليتائية بالإضافة إلى عدد من قادة تنظيم "مزراحي"، الذين تمردوا على قادة تنظيمهم، الذين لم ينسحبوا من المؤتمر الصهيوني رداً على قرار المؤتمر الصهيوني . وكان من أهم القرارات التي صدرت عن التنظيم الجديد أن تتولى المرجعيات الدينية السلطة المطلقة عليه، بحيث يتم وضعه تحت رقابة مجموعة من كبار الحاخامات مشكلين من المدرستين: الحسيدية والليتائية، وأطلق على هذه المجموعة "مجلس كبار علماء التوراة" ، والذي مايزال يمارس دوره كأكبر مرجعية للحريدية الغربية في إسرائيل حتى الآن . وعلى الرغم من أن تشكيل "أجودات يسرائيل" كممثل للحريدية الغربية جاء لمواجهة الحركة الصهيونية، إلا أن حدة التوتر والخلاف مع هذه الحركة هدأت واستبدل بها اتجاه نحو الاندماج في مؤسسات دولة إسرائيل.

وقد مثل صدور قرار التقسم في نوفمبر 1947 مكسباً غير مسبوق في رصيد الحركة الصهيونية؛ إذ إن القرار منح لأول مرة اليهود اعترافاً من مجلس الأمن الدولي بإقامة دولة لهم على أرض فلسطين. وعلى الرغم من المشاحنات التي كانت مع الوكالة اليهودية، إلا أن قادة الحريدية الغربية باتوا قبيل الإعلان عن دولة إسرائيل يعترفون بإسرائيل واقعاً تاريخياً يتوجب التعايش معه، وإن ظلوا يصرون على أن العيش في إسرائيل يشكل جزءاً من العيش في المنفى؛ حيث إن الحريدية الغربية ظلت تؤمن بأن الخلاص لا يمكن أن يأتى إلا بمجيء المسيح المخلص.

لقد شكل قيام دولة إسرائيل شكل مأزقاً ثيولوجياً كبيراً للحريدية الغربية؛ حيث إنه جاء بعكس كل ما كانت تنظر إليه، مما مهد نحو تحول تدريجي بطيء ولكن مستمر في الموقف الحريدي الرافض للصهيونية ولإقامة دولة إسرائيل. ولقد غدا موقف الحريدية الغربية النظري الرافض للصهيونية يتناقض مع السلوك العملي الذي يتجسد في الاندماج في مؤسسات الدولة، والميل الكبير نحو محاولات التأثير على صنع القرار فيها، في البداية على صعيد طابع العلاقة بين الدين والدولة، وعلى الصعيد الاجتماعي، ثم أصبح يستهدف طابع الخيارات السياسية لصناع القرار. وشاركت "أجودات يسرائيل" في أول انتخابات نظمت في تشرين عام 1949، ضمن تحالف ضم جميع القوى الدينية في قائمة أطلق عليها "الجبهة الدينية الموحدة"، حيث حصلت القائمة على 16 مقعداً، وحصل كل من "أجودات إسرائيل" على ستة مقاعد. وقد تراوح عدد المقاعد التي حصل عليها ممثلو الحريدية الغربية في الكنيست بين أربعة مقاعد إلى سبعة مقاعد؛ وشارك ممثلوها في الحكومات منذ العام 1948 وحتى العام 1953، ومنذ ذلك الحين وحتى العام 1977 لم تشارك الحريدية الغربية في الائتلافات الحاكمة؛ حيث أن حزب العمل الذي شكل كل الحكومات الإسرائيلية في هذه الفترة لم يظهر حماساً شديداً لضم ممثلي الحريدية الغربية بسبب اشتراطاتهم في مجال تغليب الطابع الديني للدولة، علاوة على أن حزب العمل كان بإمكانه تأليف حكومة بالتحالف مع أحزاب اليسار ويسار الوسط العلمانية وحزب المفدال الديني القومي. وأصبحت "أجودات إسرائيل" شريكاً في الائتلافات الحاكمة بعد الانقلاب السياسي الذي حدث عام 1977، والذي تمثل في صعود اليمين بقيادة حزب الليكود للحكم لأول مرة، حيث أصبحت الحريدية الغربية شريكاً أساسياً في معظم الحكومات المتعاقبة التي شكلها الليكود. وتحرص القوى الحريدية الغربية على أن يحظى ممثلوها بمنصب نائب وزير في أي تشكيلة وزارية؛ حيث إنهم يرفضون تولي منصب وزير بسبب الموقف التقليدي من فكرة إقامة الدولة قبل مجيء المسيح، لكن نائب الوزير الحريدي يحظى بكل الصلاحيات التي يتمتع بها الوزير. وحرص ممثلو "أجودات إسرائيل" على الاحتفاظ بمنصب رئيس اللجنة المالية في الكنيست، لما لهذا الموقع من تأثير كبير على توزيع موازنة الدولة، وذلك حتى يضمنوا دعماً مادياً لمؤسساتهم الدينية والتعليمية والاجتماعية.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر