موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الحريديم الإشكناز في إسرائيل والخدمة العسكرية

د.صالح النعامي

بخلاف المتدينين القومين الذين يتطوعون للخدمة العسكرية، بل وتحرص مرجعياتهم الدينية على حثهم على التجند ضمن صفوف ألوية الصفوة والوحدات المختارة في الجيش، فإن الحريدية الغربية (الإشكنازية) خاضت صراعاً طويلاً من أجل إعفاء أنصارها من الخدمة العسكرية، على اعتبار أنها تقلص من فرصة طلاب المدارس الدينية للتفرغ لعلوم الدين والتبحر فيها. وعندما سن قانون الخدمة العسكرية الإلزامية عام 1950، حيث تم فرض الخدمة العسكرية على كل إسرائيلي يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً، توجه قادة الحريدية الغربية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي دفيد بن غوريون، الذي كان يشغل أيضاً منصب وزير الدفاع، وطلبوا منه إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية بحجة أن هناك حاجة لتأهيل جيل جديد من الحاخامات لتعويض الحاخامات الذين قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية على يد النازيين . وافق بن غوريون على طلب الحاخامات، لكن عدد الذين تم استثاؤهم في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز 400 طالب فقط . وتسوغ مرجعيات الحريدية الغربية مطالبتها بإعفاء طلاب المدارس الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية بالقول إن طلاب المدارس الدينية الذين لا يتجندون للخدمة العسكرية يؤدون دوراً أهم بكثير من الجنود الذين يخوضون المعارك لأن انغماسهم في العلوم الدينية يدفع الرب للحفاظ على أرض وشعب إسرائيل . ومنذ العام 1950 تضاعف عدد طلاب المدارس الدينية الذين يتم إعفاؤهم من الخدمة العسكرية عشرات المرات؛ حيث إن عدد الطلاب الذين تم إعفاؤهم حتى نهاية عام 2005 بلغ 28 ألف طالب .

ومع ذلك يمكن القول إنه قد حدث خلال العقد الأخير تطور واضح على توجه الحريديم الغربيين للخدمة العسكرية؛ حيث إنه تم تشكيل لواء مقاتل لاستيعاب الشباب الحريدي في الجيش، وقد أطلق على هذا اللواء "هناحل الحريدي"، ومن أجل تشجيع الشباب الحريدي على التوجه للخدمة العسكرية عبر هذا اللواء، فقد حرص الجيش على توفير بيئة مناسبة، حيث حرصت قيادة الجيش على حظر دمج المجندات في أي من مسارات الخدمة في هذا اللواء، علاوة على مراعاة أوقات الصلاة والأعياد اليهودية خلال الخدمة.

وارتبط تدشين هذا اللواء بارتكاب سلسلة من عمليات القتل التي استهدفت الأسرى الفلسطينيين بعد إلقاء القبض عليهم. وقام جنود هذا اللواء في بعض الأحيان بقطع رؤوس المقاومين الفلسطينيين الذين يتم إلقاء القبض عليهم، وفي مرات عديدة قاموا بتقاذفها بأرجلهم كما لو كانت كرات قدم، وقام عدد من الجنود بتوثيق ما فعلوه بتصوير هذه الممارسات .

وقد توصلت قيادة الجيش الإسرائيلي ومرجعيات الحريدية الغربية ونخبها السياسية إلى سلسلة من التفاهمات التي أدت إلى دمج أعداد متزايدة من الشباب الحريدي في الخدمة العسكرية. فعلى سبيل المثال تم استيعاب الشباب الحريدي في مهام غير قتالية، مثل مجال الحوسبة في القواعد العسكرية، أو كفنيين في قواعد سلاح الجو وكتقنيين في الأجهزة الاستخبارية . ومع ذلك فإن الأغلبية الساحقة من أتباع الحريدية الغربية يتم إعفاؤهم من الخدمة العسكرية.

إلى جانب ذلك، فق حرصت القوى الحريدية الغربية على توظيف ثقلها السياسي للضغط على الحكومات المتعاقبة لتأمين ظروف اقتصادية تسمح لأتباعها للانقطاع للتعليم. فإلى جانب إعفاء طلاب المدارس الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية، فقد التزمت الحكومات المتعاقبة بتقديم مساعدة مالية لكل طالب ديني يطلق عليها "كوليل"، بالإضافة إلى تغطية الدولة جميع نفقات استخدام المدرسين في التعليم الديني الحريدي الخاص،  والذي يطلق عليه "التيار الديني المستقل". في الوقت نفسه فقد استفاد أتباع الحريدية الغربية من مخصصات الضمان الاجتماعي الكبيرة التي تخصصها الدولة للعاطلين عن العمل وللعائلات كثيرة الأولاد؛ حيث إنه من المعروف أن نسبة الولادة في الوسط الحريدي عالية جداً مقارنة مع الوسط العلماني وحتى مع المتدينين القوميين. ويبلغ ما تحصل عليه أسرة حريدية يصل عدد أفرادها عشرة أفراد كمخصصات ضمان اجتماعي حوالي عشرة آلاف شيكل في الشهر (2400 دولار تقريبا) . في الوقت نفسه فإن الجاليات اليهودية في الخارج تقوم بجمع التبرعات لدعم المؤسسات الحريدية في إسرائيل؛ وحتى العلمانيين اليهود في الخارج يبدون تعاطفاً مع الحريدية اليهودية في إسرائيل، حيث إنه ينظر إليها كرافع لواء الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة.

وحرصت الحكومات الإسرائيلية مؤخراً على تشجيع الحريديم الغربيين على التكاثر على الرغم من عدم إسهامهم في الخدمة العسكرية وسوق العمل. ويرجع حيدر هذا التوجه إلى رغبة النخب الحاكمة في حسم الصراع الديموغرافي مع الفلسطينيين عبر تشجيع الحريديم على التكاثر .

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر