موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
لماذا يصوت اليهود الشرقيون لليمين الإسرائيلي

د.صالح النعامي

يعد الجيش أهم مؤسسة تمثل بوتقة الصهر في إسرائيل، حيث تم عبرها دمج اليهود الشرقيين في المجتمع الإسرائيلي، الذي غلبت عليه في البداية أنماط الحياة الغربية. فقد تم استيعاب الشباب والشابات الشرقيين في الجيش في ظروف سمحت بتسرب قيم الثقافة الغربية؛ حيث وجد الشرقيون في الجيش البوابة الوحيدة لتأكيد انتمائهم لـ "الوطن الجديد". لكن التطلع إلى خلق إنسان يهودي جديد والانصهار البشري عمق الفروق الإثنية والطائفية بكل وضوح، وهو ما دعا بعض نخب اليهود للتشكيك في طابع الصهيونية وأهدافها. من هنا فقد حملت استراتيجية "بوتقة الانصهار" بذور فشلها، حيث ترافق تطبيق هذه الإستراتيجية مع حالة تمييز على أساس إثني مورس ضد الشرقيين.  وقد كان مصدر التمييز العنصري، الذي تعاملت به الحركة الصهيونية و دولة إسرائيل مع يهود الدول العربية، يكمن في النظرة الاستشراقية الغربية التي رأت في هؤلاء اليهود مجموعاً بشرياً متخلفاً ثقافياً وذهنياً ويقع خارج التاريخ الإنساني العصري . لقد عملت الحركة الصهيونية على احتواء اليهود الشرقيين كعنصر داخل "الشعب اليهودي"، وفي ذات الوقت تم إقصاؤه منه بصفته الآخر الشرقي. ومن الشواهد على النظرة الاستشراقية العنصرية الانطباعات التي أرسلها المستشرقون اليهود الغربيون، الذين توجهوا إلى الجاليات اليهودية في الدول العربية لإقناعها بالهجرة لأرض فلسطين، عن هؤلاء اليهود، حيث كتب أحدهم حول انطباعاته عن يهود الشرق، قائلاً: "إنهم من عرب الشرق الأوسط، هم نمط شرق أوسطي داخل ثقافة ليست قائمة أو هي في الحضيض...ومن الممكن تحويلهم إلى كائنات إنسانية"؛ وكتب آخر: "كل حياتهم في المقاهي ليس لديهم ثقافة أسرية... في كل زاوية بيوت دعارة وعرق"؛ ويقول آخر: "اليهودي الذي يعيش في البلاد العربية مثل العرب، ثقافته عربية وهو يستخدم الأساليب العربية في الحديث" .

إن أوضح مظاهر الغبن الذي تعرض له الشرقيون، كان قرار بن غوريون توطين اليهود الشرقيين في بلدات أقيمت في أطراف فلسطين الشمالية والجنوبية، وقد أطلق عليها "مدن التطوير" . وبعكس ما يوحي الاسم الذي أطلق عليها، فقد عانت مدن التطوير بشكل كبير من سياسة التهميش والتمييز؛ حيث لم يتم تخصيص الموازنات الكافية للنهوض بها، حيث زادت معدلات البطالة بشكل كبير وانتشرت الآفات الاجتماعية، مثل: تعاطي المخدرات وتسرب الطلاب من المدارس وامتهان الدعارة وتدني مستويات الدخل بشكل كبير. وتحولت هذه المدن مع مرور الوقت إلى معازل إثنية. وكان من أوضح الدلائل على فشل استراتيجية "بوتقة الانصهار"، تعاظم النزعة الإثنية التي تم التعبير عنها بولادة حركات الاحتجاج في صفوف الشرقيين ضد التمييز العنصري الممارس ضدهم. وكان أول مظهر من مظاهر الاحتجاج نشوب إضطرابات "وادي الصليب" في حيفا عام 1959، التي تفجرت في أعقاب قرار السلطات منح اليهود المهاجرين من أوروبا شققاً سكنية راقية، ومنح اليهود الشرقيين أكشاكاً بدون مرافق أو خدمات للإقامة فيها، فقام الشرقيون المتواجدين في مدينة حيفا بمهاجمة مساكن الغربيين وحطموا محالهم التجارية واعتدوا على المؤسسات العامة، وقاموا بتخريبها . وبعد ذلك توالى ظهور حركات احتجاج منظمة، فانطلقت جماعتا "الفهود السود"، و"القوس الشرقي" اللتان نظمتا مظاهرات ضد أشكال التمييز العنصري الممارس ضد الشرقيين. وقد فشلت هذه الحركات في تحقيق أهدافها؛ لأنها سعت إلى عزل الشرقيين عن المجتمع الإسرائيلي، كما أنها ناصبت الحركة الصهيونية العداء، وذلك بعكس رغبة الأغلبية الساحقة من اليهود الشرقيين الذين كانوا يطمحون إلى تحسين ظروف حياتهم كجزء من المجتمع الإسرائيلي. وقد أدى نشوب حرب 1973 إلى توجيه ضربة قاتلة لحركات الاحتجاج الشرقية؛ حيث أقنعت هذه الحرب جماهير اليهود الشرقيين أن حركات الاحتجاج توجه الطاقات للمكان الخطأ، وأنه في ظل المخاطر الوجودية التي تعيشها الدولة فإنه يتوجب التجند للدفاع عنها وليس المس بشرعيتها حتى لو كانت المطالب التي ترفع لتبرير ذلك عادلة . وفي المقابل ظهرت أشكال أخرى من مظاهر النزعة الإثنية التي تعاظمت بعد هذه الحرب وتمثلت في إحداث تحولات في أنماط تصويت الشرقيين في الانتخابات العامة. فمنذ العام 1948 وحتى العام 1973 صوت معظم الشرقيين لصالح حزب العمل اليساري، الذي أشرفت حكوماته على تهجير اليهود الشرقيين واستيعابهم داخل الكيان الجديد، لكن منذ العام 1973 انتقل الشرقيون لتأييد حزب الليكود اليميني، حيث حمل الشرقيون حزب العمل المسؤولية عن إدارة سياسة التمييز ضدهم. ووجه الشرقيون ضربة قاصمة لحزب العمل في انتخابات عام 1977 عندما صوتت أغلبيتهم الساحقة لصالح حزب الليكود، مما أدى إلى حدوث الانقلاب السياسي الذي جاء بالليكود لأول مرة لسدة الحكم وانتقال حزب العمل لمقاعد المعارضة.

ومنذ ذلك الوقت بات اليهود الشرقيون الضمانة الرئيسة لبقاء اليمين المتطرف على رأس حكم إسرائيل.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر