موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل وجذور إستراتيجية "بوتقة الانصهار"

عندما خططت قيادة الحركة الصهيونية لإقامة كيان سياسي لليهود على أرض فلسطين كانت تضع في حسابها الاعتماد في ذلك فقط على اليهود المهاجرين من الغرب، حيث رغبت هذه القيادة التي ولدت وترعرعت في الغرب، في إقامة كيان على النسق الأوروبي؛ لذا فإنه حتى نشوب الحرب العالمية الثانية لم تقم الحركة الصهيونية بأي جهد لتهجير اليهود الذين كانوا يقطنون البلدان العربية والإسلامية إلى أرض فلسطين. ولكن نشوب الحرب أدى إلى تشويش المخططات الصهيونية، حيث سرعان ما تبين لهذه الحركة أنه في ظل مقتل عدد كبير من اليهود خلال الحرب، لم يعد من الممكن النهوض بالمشروع الصهيوني دون الاستعانة باليهود الذين يقطنون البلدان العربية والإسلامية، وهذا ما دفع الحركة الصهيونية إلى أن تضع خطة شاملة لتهجير هؤلاء اليهود في البلدان العربية عام 1942، وقد أطلق عليها "خطة المليون"، وكانت تهدف إلى تهجير مليون يهودي من البلدان العربية والإسلامية . ولم يتسن تنفيذ هذه الخطة إلا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حيث تطلب الأمر من الحركة الصهيونية إعداد خلايا من اليهود الغربيين المستشرقين الذين تسللوا للبلدان العربية وأخذوا يعدون اليهود للهجرة، في الوقت الذي قامت فيه الحركة الصهيونية بجهود استخبارية ودبلوماسية وسياسية سرية، وتواصلت مع عدد من الحكومات العربية التي تواطأت معها في تهجير اليهود العرب إلى أرض فلسطين . أدرك بن غوريون في وقت مبكر أن جلب مئات الآلاف من اليهود المهاجرين من الدول العربية والإسلامية يعني نقل أنماط حياة ثقافية واجتماعية مختلفة تماماً عن الأنماط الغربية التي خططت الحركة الصهيونية لصبغ حياة  الدولة  الوليدة بها؛ ونقل عن بن غوريون قوله في اجتماع خاص في أعقاب وصول اليهود المهاجرين من الدول العربية "نحن لا نريد أن يتحول الإسرائيلي إلى عربي" . وخشى بن غوريون أن تؤدي التباينات الثقافية والاجتماعية إلى حالة من الاستقطاب والصراع الإثني بين الشرقيين والغربيين، فبلور ما عرف باستراتيجية "بوتقة الانصهار"، التي هدفت إلى صهر جميع الثقافات التي جلبها اليهود معهم في بوتقة واحدة، بحيث تنشأ ثقافة إسرائيلية واحدة. ولكن بن غوريون ورفاقه في النخبة العلمانية الغربية التي حكمت إسرائيل كانوا يريدون في الواقع أن يتخلى اليهود الشرقيون عن الثقافات التي جلبوها معهم ويتقبلوا الثقافة الغربية. وقد احتلت استراتيجية "بوتقة الانصهار" مكاناً مرموقاً في العقود الثلاثة الأولى من عمر "الدولة"، حيث افترضت هذه الاستراتيجية أن النزعة الإثنية والتمسك بالتقاليد الدينية سوف يختفيان مع تقدم عملية التحديث والانصهار في بوتقة الثقافة الإسرائيلية الجديدة . ومن معالم استراتيجية "بوتقة الانصهار" اعتماد النخبة الحاكمة "سياسة توافقية" تتميز بعدم الفصل بشكل قاطع في مسائل مبدئية متنازع عليها وحلها، ومن جانب آخر حث مكونات المجتمع الإسرائيلي على التأقلم المتبادل والتوصل لحلول وسط من خلال إبرام اتفاقات بين الأطراف المتنازعة؛ وذلك لأن هذه السياسة تقوم على الأسس المشتركة بين غالبية المستوطنين وشرائحهم الإثنية والمجتمعية والثقافية، وتتعمد عدم البت في حل المسائل الجوهرية والمبدئية وتأجيلها إلى أمد بعيد . ومن مظاهر السياسة التوافقية اتفاقية "الوضع الراهن" التي نظمت العلاقة بين الاتجاهات الدينية والدولة.

وعلى الرغم من أن الشرقيين كانوا يشكلون أكثر من نصف المستوطنين إلا إنهم كانو أكثر تقبلاً لأنماط الثقافة الغربية، حيث كانت الأغلبية الساحقة تريد التماثل مع المجتمع الجديد الذي أصبحوا جزءاً منه ومع القيم السائدة فيه، وحتى الذين لم يقبلوا ما قامت به الحركة الصهيونية لم يتحركوا لمواجهة مخططات النخبة العلمانية الغربية، حيث كان هؤلاء يشعرون بالدونية بسبب إدراكهم حجم الدور الذي قام به العلمانيون الغربيون في إقامة الدولة والنهوض بالمشروع الصهيوني، علاوة على دورهم في جلب اليهود الشرقيين أنفسهم. ويتضح من تتبع مظاهر تطبيق استراتيجية "بوتقة الانصهار" أنها كرست الحدود الإثنية بين مركبات المجتمع الإسرائيلي؛ فعلى سبيل المثال كان دمج الشرقيين في الأحزاب الصهيونية القائمة رمزياً، حيث شارك ممثلون عن الشرقيين في مؤسسات هذه الأحزاب. وعلى الرغم من أن اليهود الشرقيين شكلوا أكثر من نصف عدد السكان حتى أواسط الثمانينيات من القرن الماضي إلا إنهم حظوا بأقل من ربع عدد المقاعد في البرلمان، كما إن مشاركتهم في الحكومات كانت محدودة جداً. 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر