موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
لماذا أصبح اليهود الشرقيون متدينين؟

د.صالح النعامي

إن السبب وراء حقيقة أن الأغلبية الساحقة من اليهود الشرقيين في إسرائيل، إما متدينون أو محافظون يعكفون على الكثير من الطقوس الدينية يكمن في أن الدين يمثل لا يمثل عنصراً قومياً لدى هؤلاء اليهود فقط، بل مثل أيضاً عنصراً إثنياً. فقد كانت التعبئة الدينية الوسيلة الأهم لانخراط الشرقيين في المجتمع الإسرائيلي؛ حيث فاقمت حالة التمييز العنصري الذي مورس ضدهم من توجههم نحو الدين بعد هجرتهم إلى إسرائيل . وكما قالت المفكرة اليهودية الشرقية إيريس مزراحي: "لم يكن أمام اليهود الشرقيين أي خيار غير التدين من أجل أن يكون لهم صوت في الخطاب الصهيوني، فكل الأبواب أغلقت في وجه الشرقيين إلا باب الكنيس بقي مشرعاً" . وتعود جذور تدين اليهود الشرقيين للمحاولات التي بذلها المستشرقون اليهود الغربيون الذين أرسلوا للدول العربية لإقناع اليهود هناك بالهجرة إلى فلسطين في الأربعينيات من القرن الماضي، حيث أدرك هؤلاء المستشرقون أنه من أجل اقناع اليهود الشرقيين بالهجرة فإنه يتوجب في البداية بعث الحماس الديني في نفوسهم، وذلك من أجل ردم الفجوة بينهم وبين اليهود الصهانية ومن أجل محو عروبتهم حتى يتم تصنيفهم كصهاينة . ومع الوقت تحولت الديانة بالنسبة لليهود الشرقيين كعلامة ومظهر إثنيين.

لقد مثل حزب العمل الذي حكم إسرائيل في العقود الثلاثة الأولى من عمر  الدولة ، دوماً الثقافة الغربية العلمانية المعادية للدين، وقد أدى سقوط الحزب وفشله في انتخابات عام 1977 وصعود اليمين برئاسة الليكود لسدة الحكم سقوطاً لأسس هذه الثقافة؛ حيث أخذت تتلاشى رويداً رويداً حالة السطوة السياسية والثقافية للهوية الإسرائيلية الغربية التي حاول حزب العمل المحافظة عليها . وتشكلت بدلاً من الثقافة الغربية مجتمعات أو هويات أو ثقافات عدة شبه مستقلة ومنفصلة عن بعضها البعض، وإن كانت كل واحدة متعلقة بالأخرى داخل الدولة الإسرائيلية. وقد جرت هذه العملية من خلال انتقال القوة تدريجياً لمجموعات سكانية كانت في الماضي على هامش الدولة الإسرائيلية، وهو ما أدى إلى تعمق حدود اجتماعية كانت قائمة من قبل وظهور حدود اجتماعية جديدة مؤسسة على هويات جماعية جديدة؛ وتقوم هذه الحدود بخلق واستنساخ تواريخ وذاكرات جماعية تحكي من جديد تاريخ الدولة والجماعة ذاتها ومكانها داخل المجموع بطريقة مختلفة عما هو متعارف عليه في كتابة التاريخ السائدة في إسرائيل .

وعلى الرغم من أن استراتيجية "بوتقة الانصهار" قد هدفت إلى إرساء أسس السياسة التوافقية الهادفة إلى عدم الحسم في القضايا الخلافية، فإنه منذ ثمانينيات القرن الماضي اتجهت قطاعات وشرائح واسعة في المجتمع الإسرائيلي نحو خوض معارك جماهيرية وثقافية وسياسية بهدف تفويض أسس السياسة التوافقية. وحاولت الشرائح المجتمعية وماتزال الحد من هذه السياسة واستبدالها بسياسة مغايرة تقوم على الفصل والحسم في المسائل المتنازع عليها وحولها، وتتجلى مظاهر العمل على الحد من السياسة التوافقية في الجدل المستمر حول طابع الدولة وعلاقتها بالدين والمطالبة بسن دستور، والموقف من الخدمة العسكرية، وكذلك توظيف القوة السياسية من أجل وضع حد لحالة عدم المساواة بين الغربيين والشرقيين في إسرائيل. وتقوم السياسة الجديدة على مبدأ "قاعدة الأغلبية"، الذي ينص على أن للأغلبية مهما تكن ضئيلة، سلطة اتخاذ القرارات الملزمة للجمع؛ حيث تتسم هذه السياسة بإضفائها جواً مشحوناً ومتوتراً وعدائياً بين الأطراف المتنازعة . وهناك من يربط بين الاتجاه نحو الحسم وبين الانقلاب السياسي، الذي حدث عام 1977 بصعود الليكود لسدة الحكم بفضل أصوات الشرقيين، حيث فطن اليهود الشرقيون لضرورة توظيف قوتهم السياسية لتحقيق أهدافهم، والذي شجع المتدينين الشرقيين تحديداً على استغلال السياسة الجديدة هو حقيقة وجود قواسم مشتركة بين اليمين العلماني والمتدينين الشرقيين. فبالإضافة لإدراك اليمين العلماني دور الشرقيين في صعوده للحكم، فإن هذا اليمين يستند للمصادر الدينية في تسويغ مواقفه السياسية ومرتكزاته الأيدلوجية، فالسياسة الجديدة تتغذى على مشارب صهيونية بصيغتها اليمينية التي تعتمد على الروح القومية والقوة العسكرية والتشكيك في الآخر.

وعلى الرغم من العلاقة الوثيقة بين اليمين والشرقيين، إلا أنه سرعان ما خابت رهانات الشرقيين على إمكانية أن يحدث حزب الليكود اليميني، الذي تولى الحكم لأول مرة عام 1977، تغييراً جوهرياً في أوضاع الشرقيين، مما حفز انطلاق قوة سياسية جديدة ترفع لواء الدفاع عن حقوق الشرقيين مستفيدة من العوامل التي سبق الإشارة اليها، فكان مولد حركة "شاس".

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر