موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل: "أرحام" المتدينات للحسم الديموغرافي

د.صالح النعامي

ومما لا شك فيه أن ازدياد معدلات الولادة في أوساط المتدينين مقارنة بالعلمانيين أدى إلى ارتفاع عددهم؛ وبالتالي توسعت القاعدة الشعبية للحركات الدينية، حيث أن نسبة التكاثر بين جمهور المتدينين تبلغ 3.4%، ويتراوح عدد الولادات للمرأة اليهودية المتدينة ما بين 7 إلى 9 ولادات، بينما تصل نسبة التكاثر بين اليهود العلمانيين بالكاد إلى 1.6%، بينما معدل عدد الولادات للأم اليهودية العلمانية يتراوح ما بين 1.5 ولادة إلى ولادتين أو أكثر بقليل .

 ويتراوح سن الزواج بين المتدينين حول 17 إلى 20 عاما للفتيات، وما بين 19 إلى 22 عاما بين الشبان، أما سن الزواج بين شرائح العلمانيين فهي تتراوح ما بين 24 وحتى 30 عاماً وأحياناً أكثر، لجمهور الشابات والشباب  .

وبسبب عدد الولادات العالية جداً في أوساط اليهوديات المتدينات فإن نسبة الولادات في أوساط النساء اليهوديات بشكل عام ارتفعت من نسبة 69% من مجمل الولادات في الدولة في العام 1995 الى 74%من نسبة الولادات في العام 2006، الى 76% في العام 2007 .

 وهناك في إسرائيل من يرى أن ارتفاع معدلات الولادة في أوساط النساء اليهوديات المتدينات سيعوض النقص في عدد اليهود داخل إسرائيل والناجم عن تراجع معدلات الهجرة اليهودية.

وعلى الرغم من أن التيار الديني الحريدي لا يساهم بقوة في سوق العمل ولا يشارك في تحمل الأعباء العسكرية بسبب رفضه أداء أتباعه الخدمة الإجبارية، فأن مؤسسات الكيان الصهيوني تبدي اهتماماً كبيراً بدعم الأسر المتدينة وتمنحها القدرة على إعالة الأبناء من خلال دفع مخصصات مالية ضخمة لهم.

وضمن الإغراءات التي تقدم لهذه العائلات مضاعفة المخصصات الشهرية لكل من طفل جديد يوجد لكل عائلة، مع العلم أن أحد أهم المسوغات التي تدفع المتدينين لزيادة لنسل هو الرغبة في زيادة التأثير من خلال تعاظم الثقل الديموغرافي، على اعتبار أن هذا يلعب دور في تعزيز فاعلية النفير الانتخابي.

لكن تعزيز تقل وتأثير المتدينين لا يتوقف على تعاظم الثقل الديموغرافي، بل يتعداه إلى التحولات الثقافية التي طرأت على المجتمع الصهيوني، حيث تركت العولمة وتحديداً جوانبها الثقافية آثاراً بالغة على صعيد تعزيز الحركات الدينية، وعلى رأسها حركة " شاس ".

 فقد تعرضت إسرائيل لتأثيرات العولمة بتجلياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما تعرض لها الكثير من الدول في العالم، حيث رأت الحركات الدينية في العولمة وإسقاطاتها الثقافية تحديداً تهديداً للتراث الديني والهوية الثقافية اليهودية.

 وكانت النتيجة أن أدى هذا التطور إلى تفجر الدعوات المستندة للثراث الديني للمحافظة على الهوية اليهودية؛ وهو ما أضاف المزيد من الوقود في ماكنة الأحزاب والحركات الدينية في إسرائيل، وأدى إلى تعاظم تأثيرها، وانتقالها للهجوم .

 وأدت مقاومة العولمة إلى تغلغل الخطاب الديني القومي المتطرف في الثقافة الإسرائيلية، ونجحت في تسوية الفروق بين المواقف الاجتماعية والمواقف السياسية؛ لذا فقد عبرت الحركات الدينية واليمينية عن ثقافة سياسية متماسكة تسمو فوق كل الفروق الإثنية والطبقية .

 ولقد أدى هذا  الواقع إلى حالة من الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي حول العديد من القضايا، مثل علاقة اليهود بماضيهم المشترك وتراثهم الديني والتمسك بأنماط حياة موروثة عن الأجيال السابقة؛ حيث حث التصدي للعولمة الحركات الدينية على تكثيف الدعوة للتمسك بهذه الأنماط والتصدي لأي محاولة للمس بها. وهذا ما يفسر مبادرة الكتل البرلمانية للأحزاب والحركات الدينية لتقديم مشاريع قوانين تحد من مظاهر الغربنة.

فلقد حاولت الحركات الدينية تمرير مشروع قانون يحظر على شركات الإعلان عرض صور لنساء يرتدين تنانير قصيرة في حملاتهن الدعائية لتسويق المنتوجات؛ وعندما تبين لهم أن المشروع لن يحظَ بدعم أغلبية أعضاء الكنيست، هدد المتدينون بمقاطعة الخدمات التي تقدمها هذه الشركات وتدشين شركة إعلانات خاصة بهم؛ الأمر الذي دفع هذه الشركات للالتزام بوقف تقديم الصور التي يعترض عليها المتدينون.

    وقد يكون من أهم مظاهر ردة فعل الحركات الدينية على العولمة؛ سعيها لدفع أكبر عدد من اليهود العلمانيين للتدين والتعلق بأهداب الشريعة اليهودية، حيث تم توظيف الحاخامات في دعوة العلمانيين للدين، حيث انتشر هؤلاء الحاخامات في ميادين المدن والمقاهي وأماكن العمل لدعوة العلمانيين وتحديداً الشباب للتدين والتوبة، أو ما يطلق عليه بالعبرية "حزرا بتشوفا" .

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر