موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
تآكل الفروق الأيدلوجية كمحفز لتعاظم التيار الديني الصهيوني

مثل التوقيع على اتفاقيتي "أوسلو" عام 1993 مع منظمة التحرير الفلسطينية، واتفاقية "وادي عربة" مع الأردن عام 1995؛ وما أعقبها من تشكيل للسلطة الفلسطينية نقطة تحول فارقة في توجهات المجتمع الإسرائيلي السياسية.

ففي أعقاب التوقيع على "أوسلو" نشأ إحساس بأن نافذة فرص قد فتحت أمام إسرائيل، تسمح بتخفيض وطأة الصراع مع العرب والانتقال إلى تسويات سياسية تضمن مصالح إسرائيل الإستراتيجية.

 فعلى سبيل المثال أدى التوقيع على اتفاقية "أوسلو" إلى تخليص إسرائيل من تبعات السيطرة المباشرة على الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع بقاء سيطرتها الفعلية على هذه المناطق، حيث أصبحت السلطة الفلسطينية المسؤولة أمام العالم عن هذا المناطق التي ظلت تحتضن مئات المستوطنات.

 والذي زاد من حالة الرضا التي عمت معظم الإسرائيليين أن هذه الاتفاقيات أدت إلى تحسين البيئة الأمنية للمستوطنين دون أن تدفع إسرائيل ثمناً حقيقياً إزائها؛ حيث لم يشترط الجانب الفلسطيني الذي وقع على "أوسلو" إزالة المستوطنات، ولا حتى تجميد البناء فيها، وكانت النتيجة أن تعاظمت معدلات البناء في المستوطنات منذ التوقيع على " أوسلو " بنسبة 60% .

ولقد اندلاع "انتفاضة الأقصى" في أكتوبر 2000 إلى تلاشي حلم التسوية مع الفلسطينيين، فخلال هذه الانتفاضة التي استمرت حتى عام 2005 قتل ألف مستوطن وجندي إسرائيلي، وتراجعت الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير وتدنت معدلات الهجرة وتعكر المزاج العام؛ مما أدى إلى تعزيز التوجهات "الشوفينية" للإسرائيليين، واستعاد مفهوم الاحتكام للقوة مكانته الطبيعية في الجدل العام؛ ووجد ذلك تعبيره في انتخاب أرئيل شارون لأول مرة كرئيس للوزراء عام 2001، وهو الذي كان يردد شعار "ما لم يأت بالقوة يأت بمزيد من القوة"، كما انهارت قوى اليسار.

 ومنح هذا الواقع صدقية كبيرة للعودة للخطاب القومي المستند للمسلمات الدينية، ونظراً لأن الكثير من عمليات المقاومة وجهت ضد المستوطنين الذين ينتمي معظمهم للجماعات الدينية فقد زادت حدة تجند الحركات الدينية اليهودية في الصراع ضد مشاريع التسوية؛ ولعل من أوضح الظواهر التي عبرت عن ذلك هو تزايد تدخل الحاخامات في الجدل السياسي عبر إصرارهم على رفض "التنازل" عن أراضٍ فلسطينية؛ وأخرى حثت على استخدام أكبر قدر من القوة في مواجهة الفلسطينيين. وفتح الواقع الجديد الآفاق أمام الشباب الديني للانخراط في العمل السياسي.

ولقد أسهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب العمل إيهود براك مساهمة كبيرة في إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأنه لا يوجد في أوساط الفلسطينيين شريك لإسرائيل في صنع "السلام".

ولقد ادعى براك أنه قدم للفلسطينيين في مؤتمر "كامب ديفيد" الذي عقد أواخر عام 1999 برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون وبحضور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات "أكبر تنازلات"  يمكن أن يقدمها زعيم إسرائيلي، لكن الفلسطينيين ردوا على "عروضه" السخية" بموجة من العمليات الإرهابية التي مثلتها انتفاضة الأقصى . وقد اكتسبت تصريحات براك بشأن الفلسطينيين صدقية كونها قد صدرت عن الزعيم الذي كان يوصف بأنه "زعيم معسكر السلام" في إسرائيل.

إن أحد أسباب تعاظم دور الحركات الدينية، يرجع أيضاً إلى انهيار الفروق الأيدلوجية بين الأحزاب العلمانية؛ حيث إنها تقريباً باتت تطرح نفس المواقف، وهذا ما يفسر تشكيل حكومات " الوحدة الوطنية " التي تجمع تارة حزب العمل الذي يمثل اليسار وحزب الليكود الذي يمثل اليمين، وتارة أخرى حزب كاديما الذي يمثل يمين الوسط، وهو ما جعل الجمهور الإسرائيلي مكشوفاً أمام برامج علمانية متشابهة؛ في حين أن تنوع البرامج التي تطرحها الأحزاب الدينية عزز من قدرتها على الاستقطاب.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر