موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
فلسفة التعليم الديني الرسمي في إسرائيل

د.صالح النعامي

يزرع التعليم الديني الرسمي في الشباب اليهودي المتدين الخضوع للمرجعيات الدينية وكبار الحاخامات؛ حيث ينص قانون التعليم الديني الرسمي على أن ما يميز هذا التعليم أنه يهدف إلى أن: "يؤمن الطالب بالخالق الذي احتضن شعب إسرائيل واصطفاه من بين الأمم، ومنحه توراته، واختار له أرضه، ومنحها لشعبه المختار، وأن يرغب الطالب بالعيش وفق تعاليم الشريعة، وأن يصبح مهيئاً لمراجعة آرائه ومعتقداته وفق رؤى ومعتقدات كبار الحاخامات المقدسين، وأن يحترم الحاخامات الحكماء ويسير على معتقداتهم، وأن يقبل النصح من الحاخامات" .

ويشدد القانون على وجوب أن تكون التوراة مصدراً للقيم ومعياراً لسلوك الطالب، حيث ينص القانون على أن دراسة التوراة تهدف: "إلى بلورة وصقل شخصية الطلبة من خلال القيم الدينية ومعاييرهم السلوكية وتطلعاتهم وفق أحكام التوراة وتربيتهم على تأدية الفرائض الدينية على اختلافها وتعليمهم سبل تقدير وإدراك مجريات الأمور في المجتمع وفق منظور التوراة" .

ويؤثر التعليم الديني الرسمي بشكل مباشر في بلورة مواقف الطلاب السياسية والأيدلوجية من القضايا مثار الجدل في الساحة الداخلية؛ وتحديداً الموقف من الصراع مع العرب؛ حيث ينص القانون على أن التعليم الديني الرسمي يهدف إلى أن "يتعلم الطالب أن الخالق فضل منح شعب إسرائيل أرض إسرائيل لتطبيق شريعة التوراة فيها؛ وبالتالي فإن الحياة على الأرض الموعودة مرتبطة بتأدية الفرائض وتطبيقها " . ويعمل القانون على تكريس الرواية الصهيونية للصراع على أرض فلسطين من خلال التركيز على حق اليهود في هذه الأرض، حيث جاء في القانون: "على الطالب أن يطور مشاعر المحبة والوفاء لأرضنا المقدسة وتنمية الإخلاص لدولة إسرائيل التي تجدد بناؤها  بعد ألفي عام، وغرس المحبة والرغبة في فلاحتها والاستعداد للحفاظ عليها والدفاع عنها لدرجة التضحية بالحياة من أجلها " .

ولا يتردد التعليم الديني الرسمي في إخضاع العلوم الإنسانية لرؤية التوراة، حيث ينص قانون التعليم على أنه يجب أن يكون "تعليم الجغرافيا موافقاً للأسس الإعتقادية التي تولي أهمية كبرى لاختيار الرب أرض إسرائيل ومنحها لشعب إسرائيل" . ويتماهى نظام التعليم الرسمي الديني مع المواقف الأيدلوجية للتيار الديني القومي؛ حيث يرفع الشعار الذي يرتب أولويات هذا التيار: "توراة إسرائيل، أرض إسرائيل، شعب إسرائيل، دولة إسرائيل". ويشدد على الدور  الريادي  لشعب إسرائيل على اعتبار أنه "منارة للأغراب وعطاؤه للإنسانية جمعاء" .

ويهدف نظام التعليم الديني الرسمي إلى ترجمة مخرجات التعليم الديني الرسمي على شكل سلوك يميز الطالب، فيفترض هذا النظام أن الطالب لدى تخرجه ومواجهته الحياة الواقعية سيبلور مفاهيم ومعتقدات دينية يهودية متينة؛ بحيث يكون كل ما يقوم به الخريج على المستوى الفردي والجماعي نابع من المفاهيم القائمة على ترجمة التربية الدينية إلى سلوك ونمط حياة منضبط بأحكام الديانة اليهودية، ومن جهة ثانية بناء شخصية طلائعية مثقفة .

ويهدف التعليم الديني الرسمي إلى تخريج طلاب يحملون "مشاعر الانتماء لشعب إسرائيل في البلاد والشتات... وأن يؤمن الطلاب بقدسية البلاد، وأنهم مواطنون يؤمنون بالقيم الوطنية، وبحب البلاد واستيطانها، وبنائها، ويتحيز للغة العبرية بوصفها لغة  مقدسة  وباعتبارها تمثل الحضارة العبرية على مر العصور، وأن يستوي سلوكه وفق تعاليم التوراة ويحافظ على لسانه وأسلوب حديثه" .

ويفسح نظام التعليم الديني الرسمي مجالاً واسعاً للدين ليؤثر على وعي الطلاب الفردي والجمعي؛ فحسب أهداف هذا النظام يجب أن يمثل خريج المدارس الدينية الرسمية "رجل الشريعة الذي يدرك أن الحاضر يكسب أهمية نسبية مقارنة بالخلود المتمثل في الوجود الإلهي ومبادئ الشريعة والتوراة " . وبخلاف نظام التعليم الديني المستقل التابع للحركات الدينية الحريدية؛ فإن نظام التعليم الديني الرسمي يحث الخريجين على الاندماج في المجتمع ومحاولة شغل كافة الوظائف والمناصب "لرفع شأن الصهيونية التي تعتبر مرحلة من مراحل تطور اليهودية" . لكن هذا النظام الذي يعزز الاندماج في المجتمع، يدعو لاعتزال الحضارات الأخرى وتحديداً الحضارة الغربية، حيث يشدد على أن البديل يتمثل في الحضارة اليهودية التي منبعها الدين . ويتم توجيه أبناء اليهود المهاجرين الجدد إلى مؤسسات التعليم الديني الرسمي من أجل التأثير على توجهاتهم. وقد نص الاتفاق الائتلافي بين حزبي الليكود وحزب المفدال الديني عام 1981 على أن تستوعب مؤسسات التعليم الديني الرسمي جميع أبناء اليهود الأثيوبيين (الفلاشا)، الذين هاجروا لإسرائيل منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

ويتم توظيف تعليم التوراة للطلاب في المراحل التعليمية المختلفة في إعداد الطالب للخدمة العسكرية عبر بعث الحماس داخله وزيادة الدافعية لديه للتطوع للخدمة في الوحدات القتالية، حيث إن المضامين التعليمية التي تنقل للطالب تكون في الغالب مشبعة بالرؤى والتوجهات العسكرية المستندة للحماس الديني، فهي مصممة بحيث يصل الطالب عبرها إلى قناعة مفادها أن الأهداف العسكرية والدينية والقومية مترابطة فيما بينها مهما مر الزمن .

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر