موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
عندما "يغضب" ملك الأردن من إسرائيل

د. صالح النعامي

إن كان ثمة من يبحث عن دليل يعكس نفاق الطغاة العرب واستخفافهم بوعي شعوبهم، فأنه يجده في قرار ملك الأردن منح إسرائيل عشرة مليارات دولار مقابل الحصول على الغاز الفلسطيني، الذي سلبه الصهاينة. لا حاجة للتذكير بمدى إسهام هذا المبلغ في تغذية ماكنة التوسع الصهيونية الاستيطانية والتهويدية، ودوره في تمويل آلة العدوان ضد الأمة. المفارقة أن التوقيع على الصفقة بين الأردن والكيان الصهيوني قد جاء بعد أن قتلت إسرائيل المواطن الأردني سعيد عمرو أثناء تواجده في القدس المحتلة، وفي أعقاب تعاظم الاعتداءات الصهيونية. وقد جاءت صفقة الغاز الضخمة هذه بعد أن عبر ملك الأردن عن "غضبه" من إسرائيل وانتقد ممارساتها داخل الحرم القدسي الشريف. وقد بدت تصريحات الملك وكأنها تعبر عن أزمة حقيقية في العلاقة بين عمان وتل أبيب؛ لكن سرعان ما تبين أن ما وراء الأكمة ما وراءها. وقد تبين أن كبار المسؤولين الإسرائيليين كانوا محقين عندما تعاملوا مع تعبير الملك عن "غضبه" على أساس أنه يأتي في إطار حسابات الملك الداخلية، ولا يؤثر على طابع العلاقة الإستراتيجية بين الجانبين الآخذة فقط بالتعاظم. وقد دعا زئيف إلكين، وزير "القدس" الليكودي في الحكومة الإسرائيلية صراحة إلى "عدم التأثر" بتصريحات الملك واصفا إياها بأنها تأتي لخدمة أجندة الملك الداخلية. ولم يفت إلكين أن يذكر بأن تصريحات الملك تمثل "مجرد ضريبة كلامية فقط" لاحتواء غضب الشارع الأردني. ويعي الصهاينة أن الملك يضطر لإطلاق انتقادات لإسرائيل بسبب سلوكها في القدس والأقصى لأن "الإشراف" على الأماكن المقدسة في القدس يعد "أهم مصادر الشرعية" لنظام الحكم الملكي في عمان. وحسب المصادر الصهيونية الرسمية، فأن الملك هدف من خلال انتقاداته، التي جاءت عشية الانتخابات التشريعية التي نظمت في الأردن مؤخرا للتأثير أيضا على نتائجها. وحسب المنطق الصهيوني، فأن الملك هدف من خلال مهاجمة إسرائيل إلى سحب البساط من تحت أقدام الإسلاميين وعدم السماح لهم باستغلال موضوع الأقصى في تحقيق مكاسب مهمة في هذه الانتخابات. ولا تنفك إسرائيل عن تعديد العوائد الإستراتيجية التي تجنيها بسبب وجود نظام الحكم الحالي في الأردن، حيث أن هذا النظام "أعفى إسرائيل من استثمار موارد بشرية وعسكرية هائلة في تأمين الحدود مع الأردن، التي تعد الأطول بين الحدود مع الدول العربية الأخرى". وقد بات الأردن في عهد نظام الحكم الملكي يمثل منطقة عازلة تقلص فرص اشتعال الجبهة الشرقية.  ويجاهر المسؤولون الصهاينة بالكشف عن "تعاون أمني واستخباري وثيق" بين الأردن وإسرائيل في كل ما يتعلق بالتهديد الذي تمثله التنظيمات الإسلامية الجهادية. ولم يفت المصادر الصهيونية التنويه إلى العوائد الاقتصادية للعلاقة مع عمان، حيث تشير إلى أن الأردن يسمح لإسرائيل بتصدير منتوجاتها وبضائعها عبر أراضيه لدول في الخليج، ناهيك عن أن اتفاق تصدير الغاز "الإسرائيلي" للأردن سيضيف مليارات من الدولارات للخزانة الإسرائيلية. وتبدي كل من إسرائيل والولايات المتحدة قلقا كبيرا إزاء مصير نظام الحكم في عمان، سيما بسبب طابع التوازنات الديموغرافية داخل الأردن.

 وتتشاطر تل أبيب وواشنطن القلق من حقيقة أن القبائل البدوية، التي تمثل مصدر تأييد النظام، وتمثل 30% من الأردنيين، الذين يشكلون قوام المؤسستين الأمنية والعسكرية في عمان تمثل الأقلية، في حين يمثل الأردنيون من أصول فلسطينية الأغلبية.

وإزاء كل ما يقدمه نظام الحكم في عمان لإسرائيل، فلم يكن من المستهجن أن يحذر مستشرق إسرائيلي بارز من أن الدعم الذي يتلقاه نظام الحكم في الأردن من الغرب وإسرائيل لا يضمن استقراره وبقاءه بسبب فشله في احتواء تعاظم الإسلاميين في الداخل وعجزه عن مواجهة تبعات التدهور الاقتصادي. وقال الدكتور إفرايم هراي، أبرز الباحثين في مجال القضايا العربية والإسلامية إنه على الرغم من "استعداد إسرائيل لفعل كل شئ من أجل الحفاظ على نظام الحكم الأردني وضمان استمرار العائلة المالكة في الحكم إلا أن قدرة تل أبيب على مساعدة النظام على التصدي لكثير من التحديات محدودة للغاية". وأشار هراري في مقال نشرته الثلاثاء الماضي صحيفة "يسرائيل هيوم"، إلى أن حماس الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بغض النظر عن خلفيتها الأيدلوجية، للتحالف والعلاقة مع نظام الحكم في عمان تعود بشكل خاص إلى الرهان على دور النظام في "إبعاد الإسلاميين عن الحدود الإسرائيلية".

يتضح مما سبق أنه عندما يعبر ملك الأردن عن "غضبه" إزاء إسرائيل فأن هذا سبب وجيه لأن يقلق كل عربي ومسلم تهمه فلسطين وقضيتها.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر