موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
قراءة في كتابي: "الجنرال في أثر الحاخام- تغلغل المتدينين في الجيش الصهيوني: معطيات وتداعيات"

صدر مؤخرا الماضي كتاب: "الجنرال في أثر الحاخام- تغلغل المتدينين في الجيش الصهيوني: معطيات وتداعيات" لمؤلفه الدكتور صالح النعامي، وذلك عن "مركز البيان للبحوث والدراسات" في الرياض.

لقد اهتم هذا الكتاب بالتركيز على رصد مظاهر اختراق التيار الديني للجيش والمؤسسة الأمنية الصهيونية، إلى جانب تحليل الأسباب الكامنة وراء توجه التيار الديني اليهودي لاختراق الجيش والمؤسسة الأمنية في الكيان الصهيوني على هذا النحو، والإحاطة بالظروف التي ساعدت على تحقيق هذا الهدف، فضلا عن تعقب ماكينزمات التحرك التي اتبعها التيار الديني في  تأمين عملية الاختراق على هذا النطاق الواسع. وناقش الكتاب مواقف التيارات الدينية من الخدمة العسكرية والتحولات التي طرأت على هذه المواقف وأسبابها.

تكمن أهمية هذا الكتاب في حقيقة أنه سلط الضوء على واحد من أهم المتغيرات التي تؤثر على عملية صنع القرار في الكيان الصهيوني وحركة المجتمع في هذا الكيان، علاوة على أنه سمح بتفسير العديد من مظاهر السلوك الصهيوني السياسي والعسكري والاجتماعي في العقدين الماضيين من خلال الأخذ بعين الاعتبار طابع الاختراقات التي حققها التيار الديني داخل الجيش والمؤسسة الأمنية.

إن التعرف على مدى اختراق المتدينين للمؤستين العسكرية والأمنية في إسرائيل يساعد على بناء تصورات منطقية لقياس مدى واقعية الرهانات على تحقيق تسوية سياسية للصراع مع الكيان الصهيوني، حيث أن هذا الكتاب ناقش مدى تأثير تغلغل التيار الديني في المؤسسة العسكرية على فرص تحقيق التسوية السياسية للصراع.

 ويفترض أن يساعد الكتاب الفرقاء في العالم العربي على بلورة مواقف موضوعية حول إسرائيل وطابع القوى المؤثرة فيها، على اعتبار أن هذا يساعد على  تقديم أحكام أكثر دقة إزاء الدعوات التي تطلقها بعض النخب لتسويغ التطبيع مع هذا الكيان.

 ومما لا شك فيه أن  الكتاب يسمح بعقد مقارنات بين واقع النظام السياسي الإسرائيلي الذي لا يسمح فقط باندماج المتدينين من أصحاب التوجهات الأيدلوجية في الجيش والمؤسسة الأمنية، بل أنه يشجعهم على تحقيق اختراقات مهمة في ظل ظروف مريحة، ونظم الحكم العربية التي تفرض قيود على اندماج أصحاب التوجهات الدينية في المؤسسة العسكرية.

ويوضح الكتاب أن الكيان الصهيوني بخطى متسارعة نحو جنون التطرف الديني وتتواتر المؤشرات على حدوث تحولات ستفضي، في حال ظلت على نفس الوتيرة، إلى استحالة هذا الكيان إلى "دولة دينية"، يكون للفكر الديني وللتيارات الدينية ومرجعياته الروحية القول الفصل في تحديد وجهة هذا الكيان وخياراته ومستقبل تعاطيه مع الصراع مع الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية.

 ويتضح من الكتاب أن أهم محرك وراء اندفاع المجتمع الصهيوني نحو التطرف الديني يتمثل في  المسافة الطويلة التي قطعتها التيارات الدينية في اختراق مؤسسات الكيان الصهيوني المختلفة، وضمنها الجيش، من خلال استغلال طابع هذه الكيان وسمات نظامه السياسي.

     ففي البداية استغلت التيارات الدينية حقيقة أن النظام السياسي الإسرائيلي هو نظام نيابي ليس بوسع أي من الأحزاب والحركات السياسية العلمانية من تحقيق أغلبية مطلقة تمكنها من إدارة مقاليد الحكم بمفردها. فقد مثل فوز اليمين بقيادة الليكود لأول مرة في الانتخابات البرلمانية وفوزه على اليسار في انتخابات عام 1977، فرصة سانحة سمحت للأحزاب والحركات الدينية من لعب دور "لسان الميزان" عند تشكيل الحكومات المتعاقبة، مما جعلها تفرض إملاءاتها على صناع القرار في تل أبيب بشكل يفوق بكثير ثقلها السياسي الحقيقي.

      وقد تمكن التيار الديني من خلال مشاركته في الائتلافات الحاكمة واعتماد الحكومات في  استقرارها على الأحزاب والحركات التي تنتمي إليه من التأثير بشكل كبير على طابع العلاقة بين الدين والدولة من جهة، إلى جانب أن هذا التحول أثر بشكل كبير على طابع سلوك الكيان الصهيوني تجاه الصراع مع العالم العربي.

      وقد اتجه التيار الديني اليهودي منذ أكثر من عقدين إلى اختراق مؤسسات الكيان الصهيوني على نطاق واسع من منطلق تصور إستراتيجي يهدف إلى زيادة تأثيره على دائرة صنع القرار السياسي وحركة المجتمع والتحكم بتوجهات هذا الكيان نحو الصراع مع الفلسطينيين والعرب.

وقد اخترق هذا التيار المؤسسات القضائية والإعلامية والتعليمية والثقافية والاقتصادية وفق نسق واضح بهدف مراكمة التأثير والنفوذ. لكن مما لا شك فيه أن أخطر مظاهر تأثير التيارات الدينية لمؤسسات الكيان الصهيوني يتمثل في التسلل إلى المواقع القيادية في الجيش والمؤسسة الأمنية.

      إن اختراق التيار الديني اليهودي للجيش والمؤسسات الأمنية في الكيان الصهيوني يكتسب أهمية خاصة بسبب طابع هذا الكيان، الذي منح ثقلا كبيرا للجيش في تقرير السياسات الخارجية والداخلية؛ بسبب الهالة التي يحيط بها المجتمع الإسرائيلي  الجيش بسبب دوره في مواجهة التحديات الوجودية والإستراتيجية التي تعرض ويتعرض لها الكيان.

لقد اتبع التيار الديني ومرجعياته ونخبه السياسية إستراتيجيات مدروسة وشاملة من أجل توفير الظروف التي تمكن هذا التيار من تحقيق أكبر قدر من الاختراق للجيش والمؤسسة الأمنية، حيث تم استغلال عزوف المزيد من القطاعات العلمانية عن مواصلة الخدمة العسكرية بعد انقضاء مدة الخدمة الإجبارية، وذلك بفعل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي، بعد تبني نموذج اقتصاديات السوق.

 لم يسهم اختراق التيار الديني للجيش والمؤسسة الأمنية فقط في تحسين قدرة هذا الكيان على التأثير على عملية صنع القرار، بل أن هذا التحول زاد من مكانة المرجعيات الدينية والحاخامات بشكل عام على المؤسسة الأمنية وعلى الفضاء العام في الكيان الصهيوني.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر