موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
مواجهة العملاء والضجيج الإعلامي: أضرار بالجملة

د.صالح النعامي

هزت عملية الاغتيال الجبانة التي استهدفت المجاهد الشهيد مازن فقهاء، القيادي في "كتائب القسام" وجدان الشعب الفلسطيني وأفضت إلى حالة غضب جماهيري عارم ومبرر؛ مما بلور رأي عام فلسطيني ضاغط باتجاه القضاء على البيئة الداخلية التي مكنت العدو الصهيوني من تنفيذ عملية الاغتيال. ونظرا لأن هناك إجماع على أنه إما أن عملية الاغتيال نفذت من قبل فلسطينيين عملاء للاحتلال، أو أن العملاء على الأقل أسهموا بشكل جذري في تسهيل تنفيذها من خلال تقديم المعلومات الاستخبارية التي سهلت تنفيذ العملية، فقد أفضى ذلك إلى المطالبة بالمس بالعملاء وتحييدهم، على اعتبار أن هذه الخطوة متطلب سابق ومركر أساس من مركبات المقاومة.

من هنا، فقد أفضى مصاب الشعب الفلسطيني الجلل وما تبعه من ارتدادات جماهيرية ومجتمعية إلى إعلان وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية في قطاع غزة حملة لمواجهة العملاء، حيث تضمنت هذه الحملة مركبا إعلاميا واضحا تمثل في سلسلة إعلانات لناطقين باسم الوزارة؛ ناهيك عن أن هذه الخطوة وفرت مادة دسمة لتداول هذه القضية على مواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت ملاذ الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين.

إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: هل يخدم الضجيج الإعلامي حقا الجهود الهادفة إلى مواجهة العملاء؟ وهل أن قدرة مخابرات العدو على توظيف المصادر البشرية ستتراجع بعد هذه الحملة؟.

إن كاتب هذه السطور يعود إلى ما سبق أن حذر منه قبل عقد من الزمان في سلسلة مقالات وفي ندوات ومحاضرات نظمت حول فاعلية "حملات مواجهة العملاء"، ويرى أن هناك ثمة أضرار جمة للحرص على الضجيج الإعلامي المرافق لمثل هذه الحملات.

وسنعرض هنا للتداعيات السلبية جدا، إن لم نقل الكارثية، التي تترتب على الضجيج الإعلامي المرافق لهذه الحملات، على النحو التالي:

أولا: مواجهة العملاء ومحاربة التجسس هي سياسة أمنية تعكف عليها جميع الدول والكيانات السياسية منذ فجر التاريخ، أي أن هناك إرث كبير وتجربة هائلة في مواجهة التجسس والعملاء باتت متاحة للدراسة بهدف الإفادة. ولم يحدث أن استخدمت المؤسسات الأمنية في دول وكيانات سياسية جادة الفضاء الإعلامي في مواجهة التجسس على النحو الحاصل عندنا. بل على العكس، فأن مواجهة العملاء تتم في الإطار السري وبشكل قوي ومتواصل واستنادا إلى سياسة ترتكز على المهنية. ناهيك عن أن هذه المواجهة تكون عادة مستمر وغير موسمية ولا تخضع لمزاج الرأي العام.

ثانيا: الضجيج الإعلامي يمس بالروح المعنوية للمجتمع الفلسطيني ويضر بمقومات الثقة الداخلية من خلال تضخيم هذه الظاهرة التي تعرفها كل المجتمعات.

ثالثا: ينبه الضجيج الإعلامي المرافق لحملات مواجهة العملاء مخابرات العدو لأخذ متطلبات الحيطة والحذر من خلال التواصل مع العملاء في محاولة لتحصينهم ورفع معنوياتهم، ناهيك عن أنه يمكن أن تدفعه لتغيير أنماط التجنيد بشكل يصعب من مهمة تعقب العملاء.

رابعا: للأسف يسهم الضجيج الإعلامي في هذه الحملات في مساعدة العدو على  التدليل على أن هذه الحملات تعكس حالة إرباك، ناهيك عن أنه يوفر لنخب العدو الحاكمة الأدوات لتوجيه اتهامات باطلة للمقاومة، كما فعل وزير الحرب الصهيوني أفيغدور ليبرمان الذي ألمح إلى أن الاغتيال جاء بسبب صراعات داخلية، مع العلم أنه لا خلاف حتى بين المعلقين الإسرائيليين على أن إسرائيل وراء عملية الاغتيال.

إن مواجهة العملاء يجب أن تستند إلى إدراك حقيقة أنه في كل مجتمع ما هناك دائما قلة تكون مستعدة لطعن شعبها من الخلف لهذا السبب أو ذلك. وإرث وتاريخ التجسس يحكي شواهد لا تعد ولا تحصى على أنه لايوجد ثمة مجتمع محصن أمام هذه الظاهرة. فإسرائيل التي تتباهى بقوة أجهزتها الاستخبارية وسيما في مواجهة التجسس، تعرضت لاختراقات كبيرة وخطيرة، حيث تمكنت المخابرات السوفياتية والروسية بعدها من تجنيد عدد من كبار المسؤولين الصهاينة، كان أحدهم عقيد مخابرات عمل في ديوان رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحاك رابين، ناهيك عن تجنيد نائب مدير المعهد البيولوجي، المسؤول عن انتاج الأسلحة البيولوجية وغيرها. كما أن إيران تمكنت من تجند أحد ضباط جهاز الموساد الذي قدم معلومات أدت إلى كشف خلايا تجسس لبنانية، وقد انتحر هذا الضابط، وهو يهودي استرالي، في سجنه قبل عامين.

قصارى القول: العمل الأمني يجب أن يكون بعيدا عن منصات التواصل وموجات الأثير وصفحات الجرائد.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر