موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
استنفار مراكز البحث الإسرائيلية لصالح الثورات المضادة في العالم العربي

د. صالح النعامي

مثلت الموجة الثانية من التحولات في العالم العربي، والتي بلغت ذروتها في عزل الرئيس المصري محمد مرسي وتولي وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي مقاليد الأمر مناسبة لاستنفار مراكز الأبحاث الإسرائيلية، التي عنت بشكل خاص بتقديم التوصيات لدوائر صنع القرار في تل أبيب لاستغلال هذه التحولات وتوظيفها في تلافي مخاطر الثورات الربيع العربي على الأمن القومي الإسرائيلي. وقد دعت مراكز الأبحاث إلى مساعدة النظام الجديد في القاهرة، وتثبيت أركانه وضمان شرعية دولية له، على اعتبار أن نجاحه يضمن تقليص فرص تحقق السيناريوهات التي سبق أن حذرت منها عندما تفجرت ثورات الربيع العربي. وقد ترافق هذ الاستنفار مع احتفاء كل من النخب والرأي العام الإسرائيلي بصعود السيسي بشكل جلي .

     ويمكن حصر أهم الاستنتاجات التي ولجت إليها مراكز الأبحاث والتوصيات التي قدمتها مراكز الأبحاث الإسرائيلية بشأن التعامل مع الموجة الثانية من التحولات في العالم العربي، سيما عزل مرسي وصعود السيسي، على النحو التالي:

أولاً: سمح صعود السيسي للحكم بتقليص مستوى المخاطر على إسرائيل التي تعاظمت مع اندلاع الثورات العربية ويسمح ليس فقط باستعادة الشراكة الإستراتيجية بين تل أبيب والقاهرة التي كانت قائمة في عهد الرئيس مبارك، بل هناك احتمال أن تستحيل الشراكة إلى تحالف بين الجانبين ذي فاعلة كبيرة في مواجهة " الجهات المتطرفة " .

ثانياً: يعد كبح جماح الإسلاميين هو أهم العوائد الإيجابية التي ستستفيد منها إسرائيل بعد وصول العسكر للحكم في القاهرة .

ثالثاً: أهم مظاهر استئناف الشراكة الإستراتيجية مع مصر في العهد الجديد يتمثل في تعزيز التعاون مع الجيش المصري في مواجهة البؤر الجهادية في سيناء  والتصدي لعمليات تهريب السلاح عبر السيناء إلى قطاع غزة، ومحاصرة حركة حماس في القطاع،، وصد التهديد الإيراني، وتوفير ظروف أفضل لمواجهة البرنامج النووي لطهران .

رابعاً: دور مركزي للحكم الجديد في القاهرة في تشجيع الأنظمة العربية الأخرى على شن حرب لا هوادة فيها ضد الإسلام السياسي، وضمن ذلك تحفيز النظام الأردني للعمل ضد جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب تشجيع الاحتجاجات ضد الحكومات التي شكلها أو يشارك فيها الإسلاميون، سيما التحالف الحاكم في تونس، والذي يشكل فيه الإخوان المسلمون حجر الزاوية فيها .

خامساً: صعود السيسي سيسهم في تحقيق هدف إسرائيلي إستراتيجي، يتمثل في إطالة أمد المواجهة المسلحة بين النظام ومعارضيه في سوريا؛ على اعتبار إن النظام الجديد في القاهرة يتبنى بالفعل مواقف معادية من الثورة السورية، وهو ما جعله يوقف جملة من الإجراءات التي اتخذها الرئيس المعزول مرسي لصالح الثوار، والتي وصلت ذروتها في مشاركة مرسي شخصياً في مؤتمر جماهيري حاشد نظمته الجماعات السلفية في القاهرة لنصرة الثورة السورية .

سادساً: وسع صعود السيسي من بؤر الشرخ ودوائر الاستقطاب في العالم العربي؛ سيما الشرخ المذهبي الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة بين السنة والشيعة، إلى جانب أن عزل مرسي قد أعاد إلى السطح الاستقطاب بين المتدينين والعلمانيين في العالم العربي، حيث أنه كلما تعددت بؤر الشرخ ودوائر الاستقطاب في العالم العربي، فإن التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي يتراجع، وهذا يمثل مصلحة إسرائيلية من الطراز الأول .

سابعاً: من الأهمية بمكان الوقوف عند جملة التوصيات التي قدمها " مركز أبحاث الأمن القومي " لصناع القرار في تل أبيب حول سبل دعم نظام السيسي وتكريس شرعيته:  

 1- ضرورة القيام بتحرك عاجل وفاعل لتشجيع المستثمرين الأجانب على تدشين مشاريع البنى التحتية في مصر من أجل توفير فرص العمل وتقليص مستويات البطالة في مصر، على اعتبار إن استمرار تدهور الاوضاع لاقتصادية في مصر سيهدد حكم العسكر.

2-     يتوجب على إسرائيل  الطلب من الولايات المتحدة تشجيع الأنظمة العربية التي ناصبت حكم الإخوان المسلمين العداء، سيما السعودية وبعض دول الخليج على مواصلة تقديم المساعدات لحكم العسكر من أجل ضمان نجاح حكمهم، مع التأكيد على إن هذه الأنظمة كانت معنية بإفشال حكم الإخوان لإنها كانت ترى إن نجاح حكمهم قد يولد قوة دفع تؤثر سلباً على فرص بقائها.

3-     السعي لإيجاد قنوات اتصال مع الحركات الشبابية ذات التوجه العلماني الليبرالي في مصر، والتي شاركت في تفجير الثورة المصرية، عبر توظيف القوة الإسرائيلية الناعمة من خلال طرح فكرة التعاون في مجال حل المشاكل الاقتصادية والاطلاع على تجربة إسرائيل في إدارة الحكم.

وهناك من دعا إلى تحديد مكامن الخطر الاقتصادي التي تهدد الحكم الجديد في القاهرة والمسارعة بتقديم المساعدة في حلها، سيما مشكلتي المياه والزراعة، مع تقديم اقتراح بعرض إمكانية استفادة مصر من القدرات التقنية والعلمية لإسرائيل لتقليص مظاهر تأثير هاتين المشكلتين .

     وتدلل أنماط سلوك الحكومة الإسرائيلية على أنها تبنت هذا التوصيات. فقد توجهت الحكومة الاسرائيلية للإدارة الامريكية  مطالبة بعدم المس بالمعونات الأمريكية المقدمة للجيش المصري والتي تقدر ب 1.3 مليار دولار، في أعقاب الانقلاب، على اعتبار إن قطع المساعدات سينعكس سلباً على الأمن القومي لإسرائيل .

      واستناداً إلى ما كشف عنه كبار المسؤولين الإسرائيليين ولم يتم نفيه من قبل الحكومة المصرية، فقد تحققت الرهانات الإسرائيلية على عزل مرسي وصعود السيسي بشكل فاق أكثر التوقعات الإسرائيلية تفاؤلاً. فقد عد الجنرال عاموس جلعاد، رئيس الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية " أهم معجزة حدثت لإسرائيل بعد تأسيسها

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر