موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الأردن وإسرائيل: حسابات النظام ومصالح "الدولة"

د.صالح النعامي[i]

التسويغات التي قدمها الحكم في الأردن لتبرير طبطبة قضية تصفية مواطنين أردنيين على يد حارس السفارة الإسرائيلية في عمان لا تمثل فقط إهانة لشعب الأردن، بل قبل ذلك استخفافا بوعي هذا الشعب. ففي البداية سارع وزير الداخلية الأردني غالب الزعبي، إلى تحميل الفتى الأردني محمد الجواوده المسؤولية عن الأحداث التي قادت إلى تصفيته، ومواطن أردني آخر، برصاص حارس السفارة؛ وبعد ذلك تم تبرير السماح بمغادرة الحارس القاتل بأن هذا السلوك يفرضه احترام القانون الدولي الذي يمنح الحارس الحصانة الدبلوماسية. فقد كان من المرجو ألا يكون الوزير المسؤول عن أمن الأردنيين أقل تشككا في رواية القاتل للأحداث من بعض المعلقين الإسرائيليين، الذين جزموا بأنه لم يكن هناك أي مسوغ يبرر إقدام الحارس على قتل الأردنيين. فأمير أورن، المعلق العسكري الصهيوني ذائع الصيت، والذي غطى الكثير من القضايا الأمنية، يجزم بأن تسلسل الأحداث، حتى كما رواها الحارس، لم تكن تبرر أن تنتهي بمقتل المواطنين الأردنيين(هارتس، 26/7).  وكان الأحرى بالوزير أن يستمع للصحافية الإسرائيلية عميرة هاس التي خلصت إلى الاستنتاج بأن الحارس  زهد في اللجوء إلى أية وسائل دفاع أخرى، تدرب عليها كثيرا، غير قتل الأردنيين لأنه، مثل بقية منتسبي الأمن الإسرائيلي ينظرون باحتقار إلى العربي وحياته(هارتس، 26/7). وبخلاف رأي دوائر صنع القرار في عمان، فقد سخرت هاس من الذين سوغوا السماح بإفلات القاتل من العقاب بحجة أن القانون الدولي يمنحه الحصانة الدولية، حيث قالت: "وهل تحترم إسرائيل القانون الدولي عندما تدمر بيوت الفلسطينيين على رؤوس ساكنيها حتى تطالب الآخرين بأن يعاملوها على أساس مواد هذا القانون". لكن تبين أن كل التسويغات التي قدمها المسؤولون الأردنيون لطبطبة القضية كانت مجرد ذر للرماد للعيون، حيث تبين أن الذي حسم الأمر كان تدخل أمريكي منخفض المستوى. فحسب المعلق الإسرائيلي باراك رفيد، فأن الملك عبد الله حسم القضية بعد تلقيه اتصال من جارد كوشنر مستشار وصهر الرئيس دونالد ترامب اليهودي(هارتس، 25/7). وإن كان هذا لا يكفي، فأن وزراء في المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر لشؤون الأمن قد أفصحوا بأن الملك وعد الأمريكيين والإسرائيليين، أنه بغض النظر عن ملابسات الحادث، فأنه لن يسمح بتأخير مغادرة القاتل وبقية طاقم السفارة عمان(معاريف، 28/7). مع العلم أن تل أبيب خشيت أن يتم عدم السماح للقاتل بمغادرة عمان قبل أن يتم جباية ثمن من إسرائيل، كما فعل ملك الأردن السابق حسين في أعقاب محاولة "الموساد" تصفية رئيس المكتب السياسي السابق لحماس خالد مشعل في عمان. فهناك العشرات من المعتقلين الأردنيين في سجون الاحتلال الذين كان بإمكان الأردن المطالبة بتحريرهم مقابل السماح للحارس القاتل بالمغادرة، سيما في ظل تعاظم الانتقادات داخل إسرائيل نفسها لسلوك هذا الحارس. وتكمن المفارقة، أن نتنياهو، وبدلا من أن يراعي الجميل الذي أسداه له الأردن، رد بإهانة ملكه وإحراجه أمام الرأي العام الأردني، من خلال استقبال الحارس القاتل والثناء على صنيعه من أجل تسجيل مكاسب سياسية على الصعيد الداخلي. ومن أجل محاولة تقليص الأضرار الناجمة عن انكشاف حجم خذلان عوائل القتيلين والشعب الأردني، عمد البعض إلى الزعم بأنه في إطار معالجة أحداث السفارة، فقد تمكن الملك عبد الله من اقناع نتنياهو برفع البوابات الإلكترونية، وهذا محض افتراء. فلم يكن أمام نتنياهو بد إلا رفع البوابات بفضل مقاومة وصمود الفلسطينيين الأسطوري وتضحياتهم، التي أفضت إلى توافق نخب اليمين واليسار الصهيوني، بشكل نادر، على توجيه انتقادات غير مسبوقة لنتنياهو بسبب قراره. وعلى كل، فأن الإسرائيليين أنفسهم لا يصدقون أن لحاكم عربي دور في اخضاع قيادتهم؛ حيث أن استطلاعا للرأي العام دلل على أن 77% من الإسرائيليين يرون أن قرار رفع البوابات كان خضوعا إسرائيليا للفلسطينيين( يسرائيل هيوم، 25/7).

على الرغم من أن الإجابة على هذا السؤال لا تشكل تحديا كبيرا بشكل خاص، فأن طرحه مهم: لماذا يستخف الصهاينة بالحكم الأردني إلى هذا الحد، ولماذا هم مطمئنون إلى أنهم مهما أحرجوا هذا النظام، فأن الأمر لن يؤثر على عرى التحالف والشراكة الإستراتيجية بينه وإسرائيل؟. الإجابة على هذا السؤال تصدى لها دبلوماسي إسرائيلي خدم في عمان وتربطه علاقات قوية بدوائر الحكم هناك، حيث قال: "لا يوجد علاقة أو سلام بين دولة إسرائيل ودولة الأردن، السلام هو بين دولة إسرائيل وملك الأردن"(يسرائيل هيوم، 25/7).

هذا التوصيف البسيط والشاف يدلل على أن المقاربة الأردنية للعلاقة مع إسرائيل ترتكز بشكل أساس إلى حسابات واعتبارات نظام الحكم ممثل في الملك، وليس إلى مصالح الأردن كدولة وشعب. وفي المقابل، فأن مقاربة تل أبيب للعلاقة تنطلق بشكل حصري من مصالح إسرائيل كـ "دولة". وهذا ما يصنع الفرق الكبير.

فلو وضع الحكم في عمان في الاعتبار مصالح الأردن كدولة، لكانت مكانته في العلاقة مع إسرائيل أقوى بكثير، وهذا بإقرار  الصهاينة أنفسهم. فحسب  المعلق الصهيوني اليميني نداف شرغاي، فأن المظاهر التي تعزز مكانة الأردن كذخر لإسرائيل يتمثل في التالي: تأمينه أطول وأعقد لحدود مع أية دولة عربية، تعاون أمني مكثف، ضخ عمان مليارات الدولارات في خزانة إسرائيل من خلال شراء الغاز العربي والفلسطيني الذي تنهبه إسرائيل، السماح بتحول الأردن كقاعدة لنقل البضائع الإسرائيلية للعالم العربي"(يسرائيل هيوم، 26/7).

إذن، لو تمت مقاربة الأمور من خلال المصالح، فأن لدى الأردن أوراق أكثر يمكنه توظيفها في إدارته علاقته بإسرائيل، لكن الأمر يتعلق بنظام الحكم في عمان واعتباراته الخاصة، وهذا ما فرض على النظام نمط تعاطيه مع أحداث السفارة

 

[i] نشر في العربي الجديد، الرابط: https://www.alaraby.co.uk/opinion/2017/7/29/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86-%D9%88%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD-1

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر