موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
إسرائيل: المتدينون إذ يخترقون الأحزاب العلمانية

د.صالح النعامي

 (10/8/2017)

لقد برزت في إسرائيل ظاهرة قلما تحدث في أي نظام سياسي آخر؛ حث بادر أتباع التيار الديني الصهيوني في العقدين الأخيرين لاختراق الأحزاب العلمانية، وتحديداً حزب "الليكود" الحاكم، الذي يعتبر أكبر الأحزاب العلمانية؛ والذي تتوقع استطلاعات الرأي العام أن يواصل حكم إسرائيل لفترة طويلة في ظل انهيار اليسار وتراجع الوسط بشكل كبير.

وتدل كل المؤشرات على أن اختراق الأحزاب العلمانية من قبل المتدينين هو عملية مدروسة وتهدف بشكل أساس إلى تمكينهم من التأثير على عملية صنع القرار السياسي في إسرائيل بشكل يفوق بكثير ثقلهم الديموغرافي، وهو ما بات يقر به المتدينون أنفسهم . ولعل المثال الأبرز على ذلك انتخاب الحاخام يهودا غليك، أبرز قادة حركات "الهيكل" التي تنادي بتدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه، كنائب عن الحزب؛ إلى جانب قيام موشيه فايغلين ، أحد قادة المتدينين القوميين الشباب وبدعم من عدد من المتحمسين لفكرته بتشكيل معسكر داخل حزب "الليكود" أطلق عليه "القيادة اليهودية".

وقد استغل فايغلين التركيبة المؤسساتية لحزب الليكود التي تشترط انتخاب زعيم الحزب ومرشحه لرئاسة الوزراء وفرز قائمة مرشحيه في الانتخابات بإجراء انتخابات تمهيدية داخلية؛ وأقنع المستوطنين المتدينين بالانتساب للحزب بكثافة لكي يتمكنوا من تحديد هوية رئيس الحزب ومرشحيه للانتخابات التشريعية.

 ولأن الحديث يدور عن معسكر أيدلوجي مبلور؛ فقد أسهم هذا التحرك في تحسين قدرة التيار الديني الصهيوني على ابتزاز ساسة الحزب الذين يتنافسون على مواقع مضمونة في قائمة مرشحي الحزب للكنيست ومعظمهم من العلمانيين، بحيث أن أعضاء "القيادة اليهودية" يصوتون بشكل موحد لكل قيادي في الليكود يلتزم بالدفاع عن المشروع الاستيطاني ويؤكد أنه سيصوت في مؤسسات الحزب وفي الكنيست وفي الحكومة (في حال أصبح وزيراً) ضد أي مشروع قرار بالانسحاب من أي شبر من الضفة الغربية.

وفي نفس الوقت يلتزم ساسة الليكود العلمانيون أمام أعضاء "القيادة اليهودية" بتقديم مشاريع قانون لدعم المستوطنات في الضفة الغربية ومشاريع التهويد في القدس المحتلة، ومنع الحكومة من إبداء أي قدر من المرونة تجاه قضايا التسوية؛ إلى جانب التزامهم بتأييد سياسة القبضة الحديدية في مواجهة الفلسطينيين .

وكان لـ "القيادة اليهودية" دور أساسي في سيطرة جناح "الصقور" على حزب الليكود، حيث لا يتردد نواب الحزب في خرق الانضباط التنظيمي والتصويت ضد حكومة حزبهم في كل ما يتعلق بالتعاطي مع مشاريع التسوية.

لقد سعي التيار الديني الصهيوني ممثل في " القيادة اليهودية " لاختراق حزب الليكود العلماني بهدف التأثير على التوجهات السياسية للحزب. واللافت أن فايغلين يجاهر بالحديث عن دوافع اختراق المتدينين حزب الليكود، ويعتبر أنه يتوجب استغلال كل ما تسمح به الديموقراطية الإسرائيلية لتعزيز مكانة التيار الديني الصهيوني وتطبيق أجندته .

ويشرح فايغلين الأسباب التي دفعته للانتقال من العمل في إطار الحركات الدينية إلى فضاء الأحزاب العلمانية الكبيرة، سيما الليكود، بالقول أن النشطاء السياسيين المتدينيين قد ارتكبوا منذ الإعلان عن الدولة خطيئة كبرى عندما حصروا نشاطهم ضمن الأحزاب الدينية التي عادة ما حرصت على تمثيل قطاعات بعينها في الجمهور اليهودي في الدولة العبرية؛ الأمر الذي كرس مكانة هذه الأحزاب ونشطائها خارج ما يعرف بـ " الإجماع الصهيوني العام "، الذي تشكله القواسم المشتركة لكل من حزب الليكود بإعتباره حزب علماني يمثل يمين الوسط، وحزب العمل، باعتباره حزب علماني يمثل يسار الوسط.

ويرى فايغلين أن غياب النشطاء السياسيين المتدينين عن ساحة العمل داخل الأحزاب العلمانية الكبيرة، هو الذي مكن الساسة العلمانيين من تحديد معالم "الاجماع الصهيوني"، بدون أي صلة بتوراة "شعب اسرائيل". ويعتبر فايغلين أن قبول قطاعات من اليهود داخل الدولة العبرية، ومن ضمن أولئك قطاع مهم من العلمانيين من اصحاب التوجهات اليمينية فكرة التنازل عن أجزاء من الأراضي العربية المحتلة مقابل تسوية سياسية مع العرب؛ هو نتاج طبيعي لعدم احتكام الطبقة السياسية الحاكمة في الدولة إلى منظومة القيم التي تمليها "التوراة"، على العاملين في مجال السياسة. ويؤكد فايغلين أن هذا ما دفعه للإنضمام الى حزب الليكود كمنتسب عادي في أواخر العام 1999 .

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر