موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
نتنياهو إذ يحتفي بعلاقاته بحكام العرب "السنة"

د.صالح النعامي

على الرغم من أنه سبق لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين أن تباهى بالتطور الكبير الذي طرأ في عهده على العلاقات بين كيانه الدول العربية، التي يسميها بـ "السنية"، إلا أنه حرص خلال الكلمة التي ألقاها نهاية الأسبوع الماضي بمناسبة حلول العام العبري الجديد على إبراز المسافة التي قطعتها هذه الدول في سعيها لتوثيق تعاونها مع تل أبيب. فقد قال نتنياهو: "ما يحدث في الواقع مع البلدان العربية لم يحدث من قبل في تاريخنا، حتى عندما وقّعنا على اتفاقيات،  فالتعاون بيننا والبلدان العربية قائم بطرق عدة، وعلى مستويات مختلفة". ومن أجل أن يدفع مستمعيه للإيغال في بناء تصورات حول طابع التطور الذي طرأ على العلاقات مع الدول العربية، أشار نتنياهو إلى  أن هذا التعاون "لا يزال غير ظاهر على السطح، وبعيد عن الرأي العام"، مضيفا: "هناك أكثر بكثير مما كان عليه الوضع خلال أي فترة أخرى في تاريخ إسرائيل. هذا تغيير هائل. العالم كله يتغير".

وقد يبدو من المفارقة أن تصريحات نتنياهو اللافتة قد تزامنت مع كشف الإذاعة العبرية عن قيام أمير سعودي يتولى موقع مهم بزيارة سرية لإسرائيل بهدف عقد لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين للتباحث حول قضايا سياسية وأمنية. وحسب مصادر إسرائيلية فقد تبين أن هذا الأمير هو ولي العهد محمد بن سلمان، مما يفسر الحماس الكبير الذي اتسم به تصريح نتنياهو؟

ولا نضيف جديدا إذا أشرنا إلى أن وسائل إعلام إسرائيلية وغربية قد استفاضت مؤخرا في الحديث عن مظاهر التعاون السري الثري والواسع بين الكيان الصهيوني وعدد من الدول العربية، سواء تلك التي تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، أو تلك التي لا تقيم مثل هذه العلاقات، وعلى وجه الخصوص السعودية.

اللافت حقا أنه على الرغم من تكرار نتنياهو وكبار وزرائه من تقديم تلميحات كثيرة حول تطور العلاقات مع الدول العربية، وعلى الرغم من توالي التقارير الصحافية التي تشير بالاسم إلى دول عربية مهمة تطور علاقاتها على نحو كبير مع إسرائيل، إلا أن هذه الدول لا تعقب على هذه التسريبات، الأمر الذي يعطي الانطباع بأنها غير منزعجة من الإشارة إلى أنماط تطور تعاونها مع الكيان الصهيوني.

بالطبع لا يمكن تجاهل الاعتبارات الداخلية التي تدفع نتنياهو إلى الإشارة إلى مظاهر التعاون مع الدول العربية، حيث أنه يريد أن يقول لمعارضيه في الداخل بأنه على الرغم من الخط اليميني المتطرف جدا الذي تتبناه حكومته من الصراع مع العالم العربي وتحديدا مع الفلسطينيين، إلا أن هذا التطرف لا يؤثر على حماس الدول العربية على التعاون مع إسرائيل تحت حكمه. وكأنه يقول: "لقد أثبت سلوك الدول العربية أنه بإمكان إسرائيل أن تتبنى مواقف اليمين الصهيوني المتطرف دون أن يفضي ذلك إلى الإضرار ببيئتها الإقليمية، بل على العكس تماما، حيث أن الوقائع دللت على أن الدول العربية تطور علاقاتها مع إسرائيل على الرغم من هذه السياسات".

إن الخطورة التي ينطوي عليها إصرار بعض أنظمة الحكم العربية على تطوير علاقاتها بالكيان الصهيوني تحديدا في هذه الأيام حقيقة أن هذا التحول يتزامن مع تبني حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب سياسات بالغة التطرف والخطورة من الصراع. فقد قطعت حكومة نتنياهو شوطا كبيرا في مخططها الهادف إلى تهويد المسجد الأقصى من خلال السماح مجددا للنواب الصهاينة بتدنيس الحرم القدسي الشريف والصلاة فيه. إلى جانب ذلك، فقد كثفت إسرائيل إجراءاتها القمعية ضد المرابطين في الحرم، ومحاولة تجفيف منابع المقاومة للتهويد من خلال اعتقال شيخ الأقصى رائد الأقصى والتنكيل به. وعلى صعيد الاستيطان، أقرت تل أبيب خلال الأسبوعين الماضيين بناء آلاف الوحدات السكنية في المستوطنات بشكل يهدف إلى تعزيز الثقل الديموغرافي للمستوطنين اليهود على حساب الفلسطينيين. في الوقت ذاته، أدخلت إسرائيل عدة تعديلات إدارية على عمل مجالس الحكم المحلي في المستوطنات بشكل يسمح بتوسيع نفوذها وتحسين قدرتها على استيعاب اليهود.

إن الطامة الكبرى لا تكمن فقط في قراءة إسرائيل لحرص بعض أنظمة الحكم العربية على التقارب معها؛ بل هناك ما يدلل على أن سيولة الموقف العربي دفع الإدارة الأمريكية لتبني مواقف غير مسبوقة في إجحافها بالشعب الفلسطيني. ففي مقابلة أجرتها معه الأسبوع الماضي صحيفة "جيروسلم بوست"، أنكر السفير الأمريكي في تل أبيب دفيد فريدمان أن تكون إسرائيل تمارس الاحتلال في الضفة الغربية.

قصارى القول، الدول العربية التي تطبع علاقاتها بإسرائيل من وراء الكواليس تسهم فقط في تبني الكيان الصهيوني مواقف أكثر تطرفا من الصراع، وهذا لن يكون في صالح هذه الأنظمة في النهاية.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر