موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
بين سلمان العودة ومنيس فريدمان

د.صالح النعامي

18/9/2017

تشكل متطلبات الأمن القومي المعيار الناظم للسياسات الداخلية للدول والمحدد الرئيس لأنماط علاقاتها الخارجية. واستنادا لهذا الاعتبار تصيغ الدول خارطة المخاطر التي تتعرض لها وفق تقديرات موضوعية ومهنية لمصادر التهديدات الحقيقية. واستنادا إلى هذا المنطق، فقد عكفت الدول على بلورة قوائم بالكيانات والشخصيات التي تمثل تهديدا عليها سواء بفعل دورها العملي في استهداف أمنها أو من خلال التحريض على ذلك.

من هنا، فأنه كان يتوجب أن تتضمن أية قائمة تصدرها السعودية للشخصيات والكيانات الإرهابية اسم الحاخام مانيس فريدمان، أبرز المرجعيات الدينية اليهودية في الولايات المتحدة الذي مرد على الدعوة إلى تدمير الأماكن المقدسة للمسلمين في مكة المكرمة والمدينة المنورة( هارتس، 9/6). وكان يفترض أيضا أن تكون الولايات المتحدة التي تأوي هذا الحاخام وتسمح له بالتحريض المتواصل على السعودية على قائمة الرياض للدول الداعمة للإرهاب. وإن كانت السعودية ملتزمة بالدفاع عن الأماكن المقدسة للمسلمين، وتحديدا المسجد الأقصى، فأن عليها تضمين اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيا قائمتها للإرهاب ؛ لأنه أضفى شرعية على أولئك الداعين لتدمير الحرم القدسي الشريف. فقد حرص ترامب تحديدا على دعوة النائب الليكودي الحاخام يهودا غليك لحضور حفل تنصيبه، مع أن غليك السياسي الصهيوني الأكثر حماسا لتدمير الحرم القدسي الشريف ولا يتردد في المجاهرة بذلك. مع العلم أن الولايات المتحدة تقدم دعما ماديا للحركات اليهودية التي تدعو لتدمير الحرم، من خلال منح اعفاءات ضريبية لمنظمات يهودية أمريكية تتبرع تلك الحركات(هارتس، 13/12/2015). ويفترض أن تشمل قائمة الإرهاب السعودية أيضا اليهودي جارد كوشنر مستشار وصهر ترامب وزوج بنته إيفانكا، لأنه كليهما تبرعا لمدرسة دينية يهودية يديرها الحاخام إسحاك شابيرا، الذي ألف مصنف "شريعة الملك" (الفقهي)، الذي يشرع ذبح أطفال العرب الرضع، بدعوى عدم المخاطرة بالسماح لهم بأن يتحولوا مستقبلا إلى مصدر لتهديد على إسرائيل(هارتس،5/12/2016).

 لكن من أسف،  بدلا من ذلك، فأن السعودية "شرفت" ترامب بضبط توقيت افتتاح مركز "اعتدال" المخصص لمواجهة "الأفكار المتطرفة" ليتزامن مع زيارته للرياض، وأن يقوم شخصيا بافتتاحه.

ولو كانت الحقائق ذات قيمة، وكان التحريض على الإرهاب حقا هو المعيار الذي تم على أساسه صياغة قائمة الإرهاب إياها، لكان من الطبيعي أن تتضمن قائمة الإرهاب السعودية اسم الحاخام الأكبر الشرقي لإسرائيل إسحاك بن يوسيف، الذي  دعا للمس بأمن السعودية القومي من خلال تحريضه المتواصل على طرد الفلسطينيين إليها( هارتس، 27/3/2016).

لكن بدلا من محاسبة داعمي الإرهاب الحقيقيين وجباية أثمان منهم، فأن الرياض تشن حملة اعتقالات ضد العلماء العاملين والمصلحين وعلى رأسهم الشيخ الدكتور سلمان العودة. ومن أسف قامت السعودية والدول التي تسير في ركبها بتضمين الشيخ يوسف القرضاوي ضمن قائمة الشخصيات الإرهابية.

كان يمكن للمرء أن يتفهم قيام الكيان الصهيوني قيام بتضمين اسم القرضاوي ضمن قائمة الإرهابيين بسبب إرثه الفقهي المتعلق تحديدا بالعمل المقاوم ضد الكيان الصهيوني، والذي ظالما حظي باهتمام مراكز التفكير ودوائر الاستشراق الإسرائيلي، التي عنت بشكل خاص بتوظيفه في للتدليل على دور المرجعيات الدينية الإسلامية في دعم "الإرهاب".

من أسف، فأن المواقف الرسمية العربية تعد أهم مركبات البيئة التي تسمح بتعاظم الإرهاب الصهيوني. فمن المفارقة، أنه في الوقت الذي كان ترامب يفتتح مركز "اعتدال"، قررت حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب  تدشين مركز تراثي قضائي يساعد القضاة الصهاينة على الاستئناس بفتاوى الحاخام موشيه بن ميمون، الذي عاش في القرن الثاني عشر، عند إصدارهم القرارات في القضايا التي تنظر فيها محاكمهم؛ وذلك امتثالا لمشروع قانون أقره البرلمان ويلزم القضاة بذلك.

 فترامب الذي كرس مكانته في مؤتمر الرياض، وبقبول الحكام العرب، كقائد المواجهة ضد "الإرهاب" و"التطرف" طار بعد انتهاء زيارته لإسرائيل التي تلزم قضاتها بالاستئناس بإرث حاخام تنهل من تراثه التشكيلات اليهودية المتطرفة التي تحرض على الإرهاب ضد الفلسطينيين وتمارسه. فنائب رئيس البرلمان بتسلال سمورطتش، جاهر بأنه يستند إلى فتاوى بن ميمون، عندما وضع الفلسطينيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الرحيل، أو الاستعداد للقتل(هارتس، 22/5). في حين أن زعيم جماعة "لاهفا" الحاخام بنتسي غوفشتاين استند في دفاعه عن قيام تنظيم "شارة ثمن" بإحراق الكنائس في فلسطين خلال الأعوام الثلاث الماضية إلى إحدى فتاوى بن ميمون، التي عدت المسيحية "ضربا من ضروب الوثنية"( هارتس، 11/8/2015). وفي كتابهما "الأصولية اليهودية" يشير كل من يسرائيل شاحاك ونورتون ميزيسكي إلى دور تثقيف الإرهابي باروخ غولدشتاين على تراث بن ميمون في دفعه لتنفيذ مجزرة المسجد الإبراهيمي التي قتل فيها 29 من المصلين وأصاب العشرات وهم ركع في صلاة الفجر في 25/2/1994.

فمن يدعم الإرهاب حقا؟.

 

 

 

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر