موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
نظرية استغلال البنية السياسية لتفسير الحالة الدينية في إسرائيل

د.صالح النعامي

 (26/11/2017)

تشكل نظرية استغلال البنية السياسية أحد النظريات التي تفسر تعاظم تأثير القوى الدينية في إسرائيل. فمنذ الإعلان عن قيام إسرائيل وحتى الآن، لم يحدث أن تمكن حزب إسرائيلي بمفرده من تحقيق الأغلبية المطلقة في البرلمان، الأمر الذي أدى إلى تشكيل حكومات ائتلافية، حيث لعبت فيها الأحزاب الدينية دور لسان الميزان، واستغلت هذا الدور في إملاء سياساتها. ومن خلال حصولها على عدد من الوزارات الخدماتية على وجه الخصوص تمكنت الأحزاب الدينية من تعزيز علاقتها بالجمهور، مما زاد من نفوذها، كما سنوضح لاحقاً.

كما لا يمكن فهم الانزياح نحو التدين بمعزل عن التغييرات التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي جراء انتمائه للمنظومة القيمية الغربية التي تركت بصماتها واضحة عليه. إن أحد أسباب العودة للدين التي شملت الكثير من قطاعات المجتمع الإسرائيلي كانت نتاج اتباع نمط الحياة الغربية والذي تمثل في تعاظم مظاهر الجريمة وسيادة نمط الحياة الأناني وتعاظم معدلات الطلاق، والمس بقيم العائلة كوحدة البناء الأساسية في المجتمع، والإباحية، والشذوذ الجنسي وزواج المثليين، وتدني معدلات الدافعية للخدمة العسكرية في أوساط العلمانيين، وظاهرة الهجرة العكسية من إسرائيل للخارج، وهذا ما جعل العودة للدين ردة فعل على "النتاج المر لنمط الحياة الغربية" . وقد أدى هذا الواقع إلى تعزيز ثقة القوى الدينية في نفسها وتقلصت مشاعر الغربة لديها، بعد أن كان ينظر إليها بكثير من التهوين، وانتقل المعسكر الديني من مرحلة الدفاع عن النفس في مواجهة التيارات العلمانية إلى مرحلة الهجوم، وتحولت رغبة المتدينين من مجرد الاندماج في المجتمع الإسرائيلي إلى رغبة في تبوؤ موقع قيادي فيه في ضوء منظومة قيمية جديدة تأسست على  "الإستقامة والنزاهة" تجسدت في نظر المجتمع الإسرائيلي. ولم يعد الشعور بالثقة يقتصر على النخب القيادية في القوى الدينية اليهودية بل تعداها لعامة المتدينين، فباتوا يشعرون أنهم ينتمون إلى عالم لا تتحدد أنماط حياته بواسطة احتياجات انسانية قصيرة الأجل، وإنما بواسطة قوى عليا مطلقة إلهية، تمنحهم قوة هائلة سواء من أجل إقامة فرائض الدين ذاته، أو من أجل مواجه مصاعب الحياة .

لا خلاف بين علماء الاجتماع السياسي في إسرائيل، على الدور الكبير للانتصارات العسكرية التي حققتها إسرائيل على الدول العربية، في إيجاد بيئة مناسبة للإقبال على التدين، حيث نظرت الكثير من القطاعات السكانية داخل إسرائيل لهذه الانتصارات على أنها تحقيق للنبوءات التي جاءت بها التوراة وبقية المصادر الدينية، وهو ما ألهب الحماسة الدينية لدى هذه الأوساط . ولا شك أن أهم حرب أثرت في الوعي الجمعي لليهود العلمانيين والمتدينين كانت حرب العام 1967، عندما تمكن الجيش الإسرائيلي من الانتصار على الجيوش العربية واحتلال الضفة الغربية والقدس وهضبة الجولان وقطاع غزة وصحراء السيناء التي تساوي مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة فلسطين. لقد رأى اليهود في نتيجة الحرب معجزة إلهية، وبداية لتحقيق الخلاص ومقدمة لعودة المسيح المخلص . ولقد أضفت  نتائج الحرب – في نظر قادة التيارالديني - مصداقية على النصوص الدينية، وعززت الشعور بالثقة لدى المجتمع الديني، وهو ما أدى بدوره إلى تدين المزيد من الشباب وتحولهم عن العلمانية على أمل أن يسهم ذلك في تحقيق المزيد من المعجزات .

وقد وجدت الانتصارات العسكرية تأثيرها في حياة كثير من القادة اليهود العلمانيين، مثل الجنرال أيفي إيتام، والذي أصبح أحد ألمع القادة العسكريين وتبوء منصب وزير في حكومة نتنياهو السابقة. فقد ولد إيتام لعائلة علمانية تقطن في مدينة حيفا، حيث كان قد انهى في العام 1967 الثانوية العامة، وأثر الانتصار  الإسرائيلي قرر ترك نمط الحياة العلمانية والتوجه لإحدى المدارس الدينية، إلى جانب خدمته في الجيش، حيث آمن أنه بالتحول للتدين ستقضي إسرائيل على أعدائها .

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر