موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
القصور الاستخباري: حرب 73 مثالا

د.صالح النعامي

(3/10/2017)

تحل أواخر الأسبوع الحالي الذكرى الرابعة والأربعين لحرب 1973، وهي مناسبة تستدعي دوما استخلاص العبر من هذا الحدث الجلل، والذي أثر بشكل كبير على مسار الصراع بين العالم العربي والكيان الصهيوني. وقد نسفت هذه الحرب أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" التي اعتمدت إسرائيل على نتائج حرب 1967 في تسويقها في إطار حربها النفسية على العالم العربي، والهادفة إلى تيئيس الأمة من عوائد المواجهة معها ولدفع العرب للقبول بنتائج العدوان والتسليم به وإضفاء الشرعية عليه.

وإن كانت إسرائيل تعمد كل عام على الإفراج عن وثائق هذه الحرب عشية حلول ذكراها، فأن الوثائق التي أفرجت عنها تل أبيب أواخر الأسبوع الماضي تدلل بما لا يقبل التأويل على أن هذه الحرب كان يمكن أن تفضي إلى تغيير مسار المواجهة مع هذا الكيان بشكل جذري. وحسب هذه الوثائق، فأنه لولا إفادة الصهاينة من بعض الاختراقات الخطيرة التي تمكنت أجهزتهم الاستخبارية، سيما الموساد، من إحداثها، من خلال تمكنها من تجنيد عملاء يتبوأون مواقع مهمة في كل من مصر وسوريا لما كان بوسع الصهاينة احتواء مفاعيل الحرب التي شنها المصريون والسوريون.

ويكفي هنا الإشارة إلى الشهادة النادرة التي أدلى بها رئيس الموساد أثناء الحرب تسفي زامير، ونقلتها صحيفة "يسرائيل هيوم" في عددها الصادر الخميس الماضي، حيث أقر زامير بأن الجيش الإسرائيلي كان في حال يأس تامة وأن القيادات العسكرية ظلت عاجزة عن تقديم التزام أمام القيادة السياسية في تل أبيب بإمكانية احتواء الهجوم المصري، لدرجة أن وزير الحرب في ذلك الوقت موشيه ديان قد توقع أن يضطر الجيش الإسرائيلي للانسحاب من سيناء من أجل الدفاع عن تخوم تل أبيب.

وحسب زامير، فأن التطور الوحيد الذي غير مسار الحرب وقلبها لصالح إسرائيل كانت معلومات حصلت عليها الموساد من مسؤول مصري كبير، نجح الجهاز في تجنيده كعميل في وقت سابق، حيث أن هذه المعلومات مكنت إسرائيل من التعرف على مخططات الجيش المصري مما ساعد تل أبيب على وضع الخطط لإحباطها وإحداث تحول على الحرب، بحيث باتت يد إسرائيل هي العليا.

إن سهولة قيام إسرائيل بتجنيد العملاء في العالم العربي، سيما أولئك الذين يتبوأون مواقع تمكنهم من الحصول على معلومات مهمة وحساسة أمر يستحق بحثا مفصلا لأهميته. صحيح أن أي شعب وأمة يكون فيه حفنة من الناس مستعدون، تحت هذا الظرف أو ذلك، للخيانة وطعن شعبهم ووطنهم في الظهر. فقد اعتمد النازيون على شبكات من العملاء في كل بلد اجتاحوه واحتلوه. وتدل أحداث الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، أن حرب الجواسيس كانت على أشدها بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة.

 لكن ومع ذلك، لم يحدث أن تمكنت دولة من تجنيد عملاء من صفوف أعدائها كما فعلت إسرائيل في مواجهة العرب، في حين أنه لم يدل مسار الصراع على أن الدول العربية تمكنت من تجنيد عملاء إسرائيليين أسهم تجنيدهم في التأثير على مسار الصراع.

إن سهولة تجنيد إسرائيل للمصادر البشرية في العالم العربي تستدعي التوقف والدراسة، من أجل مواجهة هذه الظاهرة التي تمثل نزيفا داميا. هناك حاجة للوقف على الأسباب والظروف. يتوجب طرح الأسئلة التالية: هل هذه السهولة ترجع بشكل خاص إلى طابع الوسائل التي تستخدم من قبل الصهاينة في التجنيد والتي تقوم بشكل خاص على تواضع الوعي لدى الطرف الآخر، أم هل الأمر مرتبط بدور نظم الاستبداد والطغيان التي تدير مقاليد الأمور في العالم العربي في إضعاف مشاعر الانتماء لدى المواطنين لدرجة تسهل من مهمة التجنيد، أم أن الأمر يتعلق أيضا مرتبط بزهد أنظمة الحكم العربية في مواجهة الأجهزة الاستخبارية الصهيونية وتقليص قدرتها على تجنيد المصادر البشرية، أو أن الصهاينة يستغلون بعض سمات وثقافة المجتمعات العربية في زيادة وتيرة التجنيد...أم أن كل هذه الأسباب مجتمعة؟ 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر