موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
صفقة العصر: التطبيع مقابل السراب

د.صالح النعامي[1]

24/10/2017

يستدل مما كشفته قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية الليلة الماضية بأن "صفقة العصر" التي بشر بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هي مجرد صيغة من صيغ التسوية الإقليمية التي روج لها بشكل خاص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه أفيغدور ليبرمان. وتقرر خطة ترامب للتسوية، كما كشفت القناة الإسرائيلية، بأن الدول العربية هي الطرف الوحيد الذي تم تحديد الثمن الذي يدفعه سلفا ضمن هذه التسوية، وهو التطبيع الكامل مع إسرائيل. ومن المفارقة أن الخطة لم تتطرق للثمن الذي يتوجب على إسرائيل، التي تحتل الأراضي الفلسطينية والعربية، دفعه بعد انجاز "الصفقة".  وبغض النظر عن تفاصيل الخطة، فأن السلوك الأمريكي يدلل على أن هذه الصفقة ستفضي إلى إضفاء شرعية على بقاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة. فالولايات المتحدة تتبنى التصور الإسرائيلي لمكانة الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي مقابلة نشرتها معه مؤخرا صحيفة "يسرائيل هيوم" نفى دفيد فريدمان، السفير الأمريكي في تل أبيب أن تكون إسرائيل تمارس الاحتلال من خلال تواجدها في الضفة الغربية. إلى جانب ذلك فقد صمتت واشنطن على سلسلة القرارات التي اتخذتها خلال الشهر الجاري الحكومة الإسرائيلية بشأن تدشين عدد كبير من المشاريع الاستيطانية في أرجاء القدس والضفة الغربية، وهو ما يمثل ضوءا أخضرا أمريكيا يسمح لتل أبيب بحسم مصير الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل أن ينطلق قطار "التسوية الإقليمية". فقد أقدمت الحكومة الإسرائيلية مؤخرا على عدة خطوات تجعل من فرص التوصل لتسوية تقوم على الانسحاب من الأراضي المحتلة، تؤول إلى الصفر. فلأول مرة منذ عقدين من الزمان أقرت حكومة نتنياهو خطة لتدشين جيب استيطاني جديد في قلب مدينة الخليل. ومن الواضح أن من يقوم بالبناء في قلب مدينة فلسطينية يصل تعداد سكانها لأكثر من 120 ألف نسمة لا يضع في حسابه إمكانية الانسحاب منها. إلى جانب ذلك، فقد كشفت قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية الليلة الماضية أن إسرائيل ولأول مرة منذ 15 عاما، قررت بناء حي استيطاني في قلب حي "جبل المكبر" في القدس الشرقية. وحسب تقديرات القناة، فأن إسرائيل ستتجه في المستقبل القريب لتدشين مشاريع استيطانية في كثير من المستوطنات النائية، التي تجنبت البناء فيها بسبب الضغوط التي مارستها عليها الإدارات الديموقراطية والجمهورية. في الوقت ذاته، فقد صمتت الإدارة الأمريكية عن سلسلة من المواقف التي عبر عنها نتنياهو والتي تنسف الأسس التي يمكن أن تستند إليها أية تسوية للصراع تلبي الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية. فخلال الاحتفال الذي نظم الأسبوع الماضي، بمرور 50 عاما على احتلال الضفة الغربية، توعد نتنياهو بأن تبقى منطقة "غور الأردن"، التي تشكل 28% من مساحة الضفة الغربية ضمن السيادة الإسرائيلية، علاوة على تعهده بألا يتم إزالة ولو بيت واحد من أية مستوطنة من مستوطنات الضفة. في الوقت ذاته، فأن انجراف المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف، أشعل تنافسا بين الساسة والأحزاب الإسرائيلية لتبني مواقف متطرفة من الصراع ترسي دعائم إجماع داخلي يستحيل معه التوصل لتسوية تقوم على الانسحاب من الأراضي الحتلة. فوزير الحرب الإسرائيلي السابق موشيه يعلون الذي يتطلع لتشكيل حزب جديد يتنافس من خلاله على زعامة "الدولة" في الانتخابات القادمة صرح أمس بأن "السلام لن يحل"، وأنه يتوجب "جلب مليون يهودي آخر للاستيطان" في الضفة الغربية. وحتى لو راهن أحد على إمكانية أن يحدث تحول على موازين القوى الداخلية في إسرائيل بحيث يصل للحكم تحالف اليسار والوسط، فأن الفروق الأيدلوجية قد انعدمت تماما بين الأحزاب الصهيونية في كل ما يتعلق بالموقف من الصراع. فآفي جباي، زعيم حزب العمل، الذي يعتبر نفسه ممثل "معسكر السلام" الإسرائيلي، أوضح مؤخرا أنه في حال تولى رئاسة الحكومة فلن يسمح بإزالة مستوطنة واحدة من المستوطنات في الضفة. ويتضح أن إسرائيل تحدد بالأفعال والأقوال مسبقا طابع التسوية الإقليمية التي يخطط ترامب لدفعها بالتعاون مع الدول العربية.

ويمثل الصمت الأمريكي على الطفرة في المشاريع الاستيطانية التي أقدمت عليها إسرائيل وتجاهل واشنطن سلسلة المواقف التي صدرت عن القيادات الإسرائيلية والتي يستحيل معها التوصل لتسوية، تحديا للدول العربية التي تراهن واشنطن على دورها في دفع التسوية الإقليمية، سيما مصر والسعودية والأردن، التي زارها جارد كوشنر، صهر ومستشار ترامب قبل شهرين لبحث دورها في دفع هذه التسوية. وفي حال حافظت حكومات هذه الدول على الصمت إزاء المواقف الأمريكية والإسرائيلية، فأن تعاونها مع الجهود الهادفة لتحقيق التسوية الإقليمية قد يعني تسليمها بصيغة "التطبيع مقابل السراب".

 

 

 

 

[1] نشر في العربي الجديد، رابط المقال https://www.alaraby.co.uk/politics/2017/10/23/%D8%B5%D9%81%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A8-2

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر