موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
الملتحفون بإسرائيل عراة

د.صالح النعامي[i]

(1/11/2017)

"لم يكن الرجل الذي عرفناه، كان متعكر المزاج، عصبيا، شارد الذهن، بدا غير واثق من المستقبل، استبدت به المخاوف من القادم حتى استسلم لقدره المحتوم، يكابد حتى يتمكن من تصنع ابتسامة...أخذ يحدثني عن احباطه عن لامبالاة الأمريكيين تجاه المظاهرات التي اشتعلت في طهران ومدن إيرانية أخرى، وعبر عن خيبة أمله من عجز إسرائيل على مساعدته". هذا ما كتبه أوري لوبراني، آخر سفير لإسرائيل في إيران في برقية سرية بعث بها لوزارة الخارجية الإسرائيلية بعد اجتماع عقده مع شاه إيران في قصره في إحدى ليالي شتاء 1978، وأفرج عنها الإرشيف "الوطني" الإسرائيلي قبل شهرين. ويتضح من البرقية أن شاه إيران أدرك متأخرا أن استثماره الهائل في تطوير العلاقات مع إسرائيل وتسخيره المكانة الجيوإستراتيجية والاقتصادية الإيرانية لخدمة المصالح الصهيونية، لم يكن في محله.

 لم يكن شاه إيران الوحيد الذي خبر خيبات أمل في الرهان على إسرائيل، حيث اكتوى بنارها آخرون. فقبله خاب أمل أكراد العراق في أن يسهل تحالفهم مع إسرائيل مهمة تدشين دويلة كردية في شمال العرق. لقد قدم الأكراد للحركة الصهيونية خدمات كبيرة، على رأسها المساعدة في تهجير عشرات الآلاف من اليهود العراقيين إلى إسرائيل، وحصلوا مقابل ذلك على تدريب وعتاد إسرائيلي لتعزيز قدرتهم على محاربة الحكومة المركزية في بغداد. لكن بعد أن وقع العراق وإيران على اتفاقية الجزائر في 1975، لم يعد بوسع إسرائيل استخدام الأراضي الإيرانية للتواصل مع الأكراد، مما أدى إلى تهاوي مكانتهم في المواجهة مع الحكومة العراقية.

ولم يفض وقوف إسرائيل إلى جانب الموارنة  خلال الحرب الأهلية اللبنانية إلى تحسين مكانتهم في الصراع الداخلي، بل على العكس تماما. فقد مثل دخول إسرائيل إلى جانب الموارنة بعد اجتياح 1982، نقطة تحول فارقة أسهمت في إضعافهم وتوفير بيئة ساعدت على ظهور قوى لبنانية بنت شرعيتها على أساس مقاومة إسرائيل.

لكن الارتهان إلى مغامرات طائشة يدفع البعض إلى تناسي الخبرات البائسة للعلاقة مع إسرائيل ويعيدون الكرة من جديد. فهاهم الأكراد يرتكبون نفس الخطأ برهانهم مجددا على دعم إسرائيل في ضمان شرعية دولية لنتائج الاستفتاء التي أيدت الانفصال عن العراق. وتشهد وسائل الإعلام الإسرائيلية أن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أجرى اتصالات مكثفة مع قادة الكثير من الدول وأرسل الوفود لحشد دعم دولي لنتائج الاستفتاء الكردي؛ لكن محصلة هذه التحركات كانت صفر كبير. فقد حفز الاصطفاف الإسرائيلي العلني إلى جانب الأكراد القوى الإقليمية، وعلى وجه  الخصوص إيران للاستنفار لإحباط التحرك الكردي من خلال تشجيع حكومة بغداد على احتلال كركوك وهو ما مثل عمليا تحييد دور الاستفتاء في إملاء حقائق سياسية على الأرض وتصفية الحلم الكردي في الاستقلال.

والمؤسف حقا أنه يتضح من خلال ما تتناقله وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية أن نظام الحكم في السعودية يقوم مجددا بتجريب المجرب من خلال التقارب مع إسرائيل. فإلى جانب الكشف عن مظاهر التعاون الأمني والتنسيق السياسي التي تتواصل سرا، فأن السعودية تسمح بصدور مؤشرات علنية على هذا التقارب من خلال السماح لمسؤولين سابقين وأفراد من العائلة المالكة بالتورط في أنشطة تطبيعية، ضمنها القيام بزيارات علنية لإسرائيل، كما فعلت ذلك مجموعة من الشخصيات السعودية برئاسة اللواء أنور عشقي، بالإضافة إلى اللقاءات العلنية التي يجريها مدير المخابرات السعودي الأسبق الأمير تركي الفيصل مع قادة الأجهزة الأمنية الصهاينة السابقين. ومن نافلة القول إن السعودية التي لا تتردد في اعتقال نخبها بتهمة الصمت حيال الأزمة مع قطر أو لمجرد الدعاء ليحل الوئام مع الدوحة، تمنح مؤشرات على طابع العلاقة السرية مع تل أبيب من خلال السماح بمظاهر التطبيع العلني.

وعندما يثار التساؤل حول مسوغات التي تدفع السعودية للتقارب مع إسرائيل، فأنه عادة ما تتم الإشارة إلى أـن مواجهة إيران ومشروعها النووي وتوسعها في المنطقة يستدعي التنسيق مع القوى التي تتقاطع مصالحها مع الرياض في ذلك، وعلى رأسها إسرائيل.

لكن عندما يتم اختبار هذا المسوغ استنادا إلى الحقائق يتبين بسهولة أن إسرائيل هي فقط التي استفادت من التنسيق مع السعودية بشأن مشروع إيران النووي وتوسعها الإقليمي. فالتحرك السعودي الإسرائيلي ضد الاتفاق النووي داخل الولايات المتحدة أفضى إلى منح إدارة الرئيس أوباما تل أبيب 38 مليار دولار من أجل تقليص المخاوف الصهيونية من تبعات الاتفاق، في حين ظلت الرياض حبيسة مخاوفها. وعندما تولي دونالد ترامب مقاليد الحكم سارعت السعودية لمحاولة التأثير على موقفه من إيران من خلال ضخ عشرات المليارات من الدولارات في الخزانة الأمريكية على شكل عقود شراء أسلحة، وعبر مغازلة أصدقاء إسرائيل في الإدارة والكونغرس الجاليات اليهودية عبر منح المزيد من المؤشرات على التقارب مع تل أبيب. لكن على الرغم من الاستثمارات الضخمة، فأن السعودية لا تبدو واثقة من توجهات ترامب الحقيقة إزاء إيران، على الرغم من خطابه المتشدد الأخير تجاه طهران؛ حيث مثل التوجه السعودي لطلب ود روسيا مؤشرا على انعدام الثقة في الركون إلى ترامب.

لكن المفارقة أن مواصلة السعودية رهانها على العلاقة مع إسرائيل يقابله شكوك إسرائيلية إزاء عوائد العلاقة مع الرياض في المستقبل. فقد توقعت دراسة صادرة عن "مركز أبحاث الأمن القومي" بتاريخ 26/9 أن تزهد القيادة الإسرائيلية في مواصلة الاستثمار في تطوير العلاقة مع الرياض بسبب "المؤشرات على حدوث تراجع متواصل على مكانة السعودية الإقليمية بفعل السياسات التي يتبناها ولي العهد محمد بن سلمان مما يقلص من العوائد الإستراتيجية للعلاقة معها".

قصارى القول، عريان من يلتحف بإسرائيل.

 

[i] المقال نشر في العربي الجديد بتاريخ  31/10/2017، رابط المقال: https://www.alaraby.co.uk/opinion/2017/10/30/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%81%D9%88%D9%86-%D8%A8%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%A9-1

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر