موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
ماذا يعني إعلان ترامب المرتقب بشأن القدس

د.صالح النعامي

3/12/2017

يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إحراج حلفائه العرب ويبدو مصمما على تقليص هامش المناورة المتاح لهم من خلال دفعهم إلى التسليم بالهوامش التي يقبل بها اليمين الصهيوني المتطرف. ولعل إعلان ترامب المتوقع الأربعاء الماضي عن اعتراف بالولايات المتحدة بالقدس المحتلة كعاصمة لإسرائيل هو تجسيد لنمط تعاطي ترامب مع نخب الحكم العربية، سيما التي تراهن على العلاقة مع إدارته. ويمكن أن يتخذ ترامب خطوة أكثر استفزازا تتمثل بإصداره تعليمات بالبدء بإجراءات نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

ومن الواضح أن التطورات الدرامتيكية المتلاحقة المتعلقة بالتحقيقات في التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية والكشف عن أن مستشار الأمن القومي السابق لترامب الجنرال مايكل فلين قد قبل أن يكون شاهد ضده في هذه القضية تعزز فرص اندفاع ترامب نحو الإقدام على هذه الخطوة لتعزيز مكانته الداخلية من خلال مغازلة أصدقاء إسرائيل في الكونغرس وجماعات الضغط اليهودية.

وفي حال تحققت التسريبات، وأعلن ترامب عن تغيير في الموقف الأمريكي بشأن القدس، فأن مثل هذا الإعلان يعني إسدال الستار على أية فرص لدفع ما يسمى بـ "صفقة القرن"، حيث أن هذا يعني أن الولايات المتحدة، التي يفترض أن تكون وسيطا يعنى بدفع هذه الصفقة، قد حسم أمره وتبنى موقف تل أبيب بشكل فج ومسبق.

ففي حال أعلن ترامب عن القدس "الموحدة" (بشقيها الشرقي والغربي) كعاصمة لإسرائيل، كما يروجون في إسرائيل، فأن هذه الخطوة تنطوي على أبعاد قانونية بالغة الخطورة، تمثل انقلابا درامتيكيا على الموقف الأمريكي من احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية بعد حرب 1967 وينسف مواقف واشنطن من قضية الاستيطان اليهودي في المدينة.

 فمثل هذا الاعتراف يعني أن الولايات المتحدة لم تعد تر في الوجود الإسرائيلي في القدس الشرقية نوعا من أنواع الاحتلال، إلى جانب أن مثل هذه الخطوة تمثل اعترفا أمريكيا بقانونية كل المستوطنات اليهودية التي بنتها إسرائيل بعد حرب العام 1967، والتي دشن جزء منها على أراضي تتبع الضفة الغربية وتم إلحاقها بحدود بلدية الاحتلال في القدس.

وفي حال ترافق الاعتراف بالقدس "الموحدة" كعاصمة لإسرائيل، مع الإعلان عن بدء إجراءات نقل السفارة، فأن هذا يمثل تكريسا عمليا آخر للإعتراف الأمريكي بالاحتلال الإسرائيلي للقدس. ولا شك أن خطوة ترامب المرتقبة لن تتسبب فقط في إحراج نظم الحكم العربية التي تراهن واشنطن على دورها في تمرير المبادرة الأمريكية العتيدة، بل أنها عن أنها ستقلص هامش المناورة أمام قيادة السلطة الفلسطينية.

وفي المقابل، فأن مثل هذه الخطوة قد تقود إلى تداعيات أمنية، على اعتبار أنها قد تمهد الطريق أمام ردة فعل شعبية فلسطينية تسهم في إشعال الأوضاع في الضفة الغربية وإسرائيل. من هنا، لم يكن من المستهجن أن يدفع الخوف من هذا السيناريو بعض المعلقين العسكريين الإسرائيليين للتحفظ على خطوة ترامب المرتقبة، كما عبر عن ذلك روني دانئيل، المعلق العسكرية لقناة التلفزة الإسرائيلية الثانية.

لكن حتى لو حدثت مفاجأة ولم يعن ترامب عن تغيير في موقف إدارته من القدس، فأن ما يسرب عن مضامين مبادرته لحل الصراع، التي ينوي الكشف عنها في وقت لاحق من الشهر القادم، يدلل على أن نتائج هذه المبادرة لن تختلف عن نتائج الإعلان المرتقب بشأن القدس.

فكما أشارت بعض وسائل الإعلام، فأن مبادرة ترامب تدعو للإعلان عن دولة فلسطينية في حدود مؤقتة على مساحة تصل إلى حوالي 50% من مساحة الضفة الغربية، مع احتفاظ إسرائيل بالصلاحيات الأمنية والسيادة على الحدود والجو، مع تقديم رزمة مساعدات مالية ضخمة لـ "الدولة" العتيدة.

 من الواضح أنه لا يوجد أدنى احتمال أن تقبل قيادة السلطة الفلسطينية بمثل هذه المقترحات، حيث أن ما هو مطروح يمثل عمليا صيغة مشوهة من صيغ الحكم الذاتي. ويعي كل الفرقاء في الساحة الفلسطينية، وضمنهم رئيس السلطة محمود عباس، الذي جاهر مرارا برفضه فكرة الدولة على حدود مؤقتة، أن القبول بهذه الفكرة يعني تصفية القضية الفلسطينية، على اعتبار أنها تستثني أيضاً حل قضية اللاجئين.

من هنا، فأنه، بخلاف ما يأمله عباس وفريقه، فأن ساعة الحسم قادمة، وتفجر مواجهة شاملة بين الشعب الفلسطيني والكيان الصهيوني تبدو في الأفق بشكل واضح. وهذا يفترض أن يستدعي من عباس تغيير أنماط سلوكه على الصعيد الداخلي بما يحسن من قدرة الفلسطينيين على تحقيق نصر في هذه المواجهة.

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر