موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هل حكومة حماس ملزمة باحترام التزامات السلطة ؟
في كلمته أمام المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد طالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس حكومة حماس المقبلة بإحترام الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل، وعدم الطعن في شرعيتها، على اعتبار أنها ملزمة لكل حكومة فلسطينية. أبو مازن شدد على أن الحكومة القادمة مطالبة باحترام توجهاته السياسية التي تضمنها البرنامج الانتخابي الذي انتخب على أساسه رئيساً للسلطة الفلسطينية، فضلاً عن تلميحه الى وجوب أن تعي الحكومة الصلاحيات الواسعة التي يستمدها من موقعه كرئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي تعتبر المرجعية الوطنية العليا للشعب الفلسطيني. وفي المقابل تشدد حركة حماس على أنها حازت على ثقة الشعب الفلسطيني بناء على برنامج سياسي مختلف تماماً، وبل ومتناقض مع البرنامج الذي انتخب على اساسه أبومازن رئيساً للسلطة، وفي نفس الوقت، فأن الحركة ترى أن منظمة التحرير بوضعها الحالي غير مؤهلة لتمثيل الشعب الفلسطيني، على اعتبار أن تركيبة مؤسساتها وهيئاتها التنفيذية والتشريعية لا تعبر عن موازين القوى الحقيقية في الساحة الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو الشتات. مما يعني أن حماس لا تتفق مع أبو مازن تماماً حول ما يراه دوراً للمنظمة بتركيبتها الحالية كمرجعية عليا للشعب الفلسطيني. قد يفهم المرء أن يستغل ابو مازن فرصة خطابه أمام المجلس التشريعي لكي يذكر العالم بمواقفه السياسية التي لم يحاول الرجل اخفاءها، لكن من المحظور تماماً أن يكون التشديد على هذه المواقف مقدمة لأزمة حكم بين مؤسستي الرئاسة والحكومة في العهد الجديد، أذ أن الشعب الفلسطيني سيكون أكثر الأطراف تضرراً من هذه الأزمة، سيما في ظل الاجراءات غير المسبوقة التي أعلنت عنها حكومة الاحتلال من أجل اعاقة حكومة حماس وافشالها. على الرئيس أبو مازن أن يضع الأمور في نصابها الحقيقي، فليس من الحكم النظر الى مسألة التزام حكومة حماس باتفاقيات السلطة من الناحية القانونية الدستورية التي تحتمل بدورها الجدل، لكن وبشكل أساسي يجب النظر الى هذه القضية من خلال على قياس مدى الطرف الاسرائيلي بهذه الإلتزامات. فلماذا تطالب حكومة حماس باحترام اتفاقيات لم تتنكر فقط لها الحكومات الاسرائيلية، بل أنها اعتبرتها اتفاقيات لم تعد قائمة. لقد مرت اسرائيل في الوضع الذي تمر فيه الآن السلطة الفلسطينية حالياً من تبدل الحكومات، ففي العام 1996 فاز حزب الليكود في الانتخابات، وسقط حزب العمل بقيادة بيريس مهندس اتفاقيات " اوسلو "، وشكل زعيم الليكود بنيامين نتنياهو الحكومة، فهل التزم نتنياهو باتفاقيات أوسلو التي وقع عليها سلفه بيريس؟؟؟؟ أن نتنياهو بإٍستثناء قراره باعادة تموضع قوات جيش الاحتلال في مدينة الخليل، لم ينفذ أي بند من بنود " أوسلو "، وحتى هذه الخطوة الهامشية جداً قبض نتنياهو مقابلها ثمناً غالياً على كل الصعد، فعلى الصعيد الاسرائيلي قامت حكومة نتنياهو بتكثيف عمليات الاستيطان بشكل غير مسبوق وتحديداً في محيط مدينة الخليل كتعويض على الخطوة الهامشية التي قام بها في الخليل. وعلى الصعيد العلاقات مع السلطة ردت السلطة بتكثيف التعاون الأمني مع اسرائيل، ويكفي الاشارة الى أن هذه الفترة شهدت اغتيال عز الدين الشريف، والاخوين عوض الله، وغيرهم من قادة حركات المقاومة. وحرص نتنياهو ووزراؤه على نسف كل أسس للتسوية. فبعد عودة نتنياهو من مؤتمر " واي ريفير " الذي جمعه بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ألقى وزير خارجية اسرائيل في ذلك الوقت ارئيل شارون كلمته المشهورة أمام حشد من شباب المستوطنين الذين استقبلوا الوفد الاسرائيلي في المطار، حيث قال " لم تقم اسرائيل بسبب احترام هذه المعاهدة أو تلك، بل بسبب سياسة الأمر الواقع التي تفرضها حكومات وشعب اسرائيل على الأغيار، فعليكم الانطلاق الى تلال الضفة الغربية، تلة تلة، والسيطرة على أكبر عدد منها، لكي يتجسد المشروع الاستيطاني الصهيوني ". وكان خطاب شارون هذا هو الذي مهد لبروز جماعة " فتية التلال " التي قامت في غضون الاعوام الستة الماضية باقامة مئات البؤر الاستيطانية في أرجاء الضفة الغربية، ومع ذلك ظلت حكومة نتنياهو تتمتع بشرعية الحكم حتى انتخابات العام 1999، وظلت السلطة الفلسطينية تحاول مد الجسور معها.ومع عودة حزب العمل للحكم بزعامة ايهود براك لم يتم تطبيق أي بند من بنود اتفاقيات أوسلو، بل أنتهى عهد براك بتدنيس شارون للمسجد الأقصى الأمر الذي أدى الى اندلاع انتفاضة الأقصى. وعندما تولى شارون الحكم في العام 2001 لأول مرة، أعلن أنه لن يطبق اتفاقيات أوسلو، وهناك عشرات الاقتباسات من أقوال شارون التي أكد فيها أنه لن يحترم اتفاقيات أوسلو. وحتى خارطة الطريق التي يشدد الرئيس ابو مازن على أن السلطة الفلسطينية ملتزمة بها، لم تلتزم بها اسرائيل، أذ أنها اضافت عليها 14 تعديلاً أصبحت معها هذه الوثيقة امراً مختلفاً تماماً. وفي النهاية تخلى ارئيل شارون حتى عن النسخة المعدلة من " خارطة الطريق "، عندما قام بتنفيذ خطة " فك الارتباط "، التي قال عنها كبير مستشاريه دوف فايسغلاس أنها جاءت للقضاء على أي فرصة لاقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة في الضفة الغربية، في حين قال وزير حربه شاؤول موفاز أن هذه الخطة جاءت لاعطاء طفرة غير مسبوقة في المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، وهذا ما يحدث حالياً. أما رهان الرئيس ابو مازن على رؤيا الرئيس الامريكي جورج بوش التي تنص على اقامة دولتين يهودية وفلسطينية، وامتداحه لها في خطابه امام التشريعي، فقد نسفها بوش نفسه عندما أودع في يد شارون رسالة الضمانات الشهيرة، التي بموجبها أيدت الادارة الامريكية حق إسرائيل في ضم التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية، ورفض الانسحاب الى حدود الرابع من حزيران للعام 67، ودعم الموقف الاسرائيلي في الرفض المطلق لحق العودة للاجئين الفلسطينيين. اذن بعيداً عن دلالات التفويض الجماهيري الذي منح لابو مازن ولحركة حماس في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وبمعزل عن الجدل حول الصلاحيات الممنوحة لرئيس السلطة ورئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة من جانب والحكومة ورئيسها من جانب، فأنه لا يمكن تجاهل الواقع الإسرائيلي، فلا مبرر لكل هذا الخلاف حول تلك الاتفاقيات التي لم تسقطها الحكومة الاسرائيلية فقط، بل أنها تتعامل كما لو كانت غير موجودة. لذلك وبدلاً من الاستغراق في هذا الجدل العقيم الذي لا يؤدي الا الى وضع العصي في دولايب النظام السياسي الفلسطيني، يتوجب التوافق بين مؤسستي الرئاسة والحكومة للتوصل لصيغة تسمح بمواصلة عمل مؤسسات السلطة، مع استعداد الجانبين لابداء أقصى درجات المرونة التي لا تمس الثوابت الوطنية.
مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر