موقع الصحافي والباحث :
صالح النعامي
هكذا مهدت زيارة بنس لتطبيق "صفقة القرن"

د.صالح النعامي

 

حرص نائب الرئيس الأمريكي مايكل بنس خلال زيارته لإسرائيل على إرسال المزيد من الرسائل التي تؤكد عزم إدارته على محاولة فرض "صفقة القرن" الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية. وقد عمد بنس إلى أن تمثل الزيارة التي قام بها لـ "حائط البراق"، الذي يطلق عليه اليهود "حائط المبكى"، نقطة تحول في تاريخ تعاطي الولايات المتحدة مع قضية القدس، حيث أنه أول مسؤول أمريكي رفيع يقوم بزيارة هذا المكان بصفته الرسمية. وتضفي هذه الخطوة إلى جانب دفاع بنس خلال زيارته للأردن عن اعتراف الرئيس دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل وقراره نقل السفارة الأمريكية للقدس صدقية على التسريبات المتواترة بشأن ما تتضمنه "صفقة القرن" من بنود، وعلى رأسها إخراج قضية القدس من دائرة التداول في أية مفاوضات بوصفها عاصمة إسرائيل. وهناك ما يدلل على أن إدارة ترامب وحكومة نتنياهو تنسقان لتطبيق بنود صفقة القرن، سيما تلك التي تمثل مكاسب جلية لإسرائيل حتى قبل الإعلان عن هذه الصفقة بشكل رسمي، والتي تم الكشف عنها في وثيقة قدمها أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات للرئيس محمود عباس وتم تسريبها لقناة التلفزة الإسرائيلية العاشرة أواخر الأسبوع الماضي. فحسب ما نشرته صحيفة "هارتس" أمس، فأن بنس سيبلغ إسرائيل موافقة واشنطن على أي قرار يمكن أن تتخذه حكومة نتنياهو بشأن ضم أية مساحة من الضفة الغربية لإسرائيل.  وقد يكون هذا ما دفع عريقات لإطلاق تحذيرات بالأمس من أن الخطوة الأولى التي ستقدم عليها إسرائيل استنادا إلى "صفقة القرن" ستتمثل في ضم المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية لإسرائيل. وما يسوغ تحذيرات عريقات حقيقة أن الأحزاب والحركات التي تشكل الائتلاف اليميني الحاكم في تل أبيب قد ضاعفت حراكها الهادفلسن تشريعات تقنن ضم ليس فقط التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، بل منطقة "ج"، التي تمثل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية.

 في الوقت ذاته، فأن القرارات المتسارعة التي تتخذها حكومة نتنياهو بشأن تعزيز الاستيطان اليهودي تحديدا في منطقة "غور الأردن" تعني أن إسرائيل عازمة على إخراج هذه المنطقة، التي تشكل 25-28% من مساحة الضفة الغربية من دائرة التفاوض؛ مما يدلل على أن تحذيرات عريقات من أن الخطوة الثانية لإسرائيل استنادا لصفقة القرن ستتمثل في ترسيم الحدود الشرقية للأردن، على اعتبار أن حسم مصير منطقة "الغور" يعني حسم مصير هذه الحدود، تحذيرات في مكانه. ومن الواضح أن كلا من الأمريكيين والإسرائيلين قد صاغوا بنود "صفقة القرن" بحيث تفضي عمليا إلى مواصلة إسرائيل السيطرة عل كل الضفة الغربية وليس فقط 10% كما تنص وثيقة عريقات لأول وهلة. ويتضح من وثيقة عريقات أن هذه صقة القرن تمنح إسرائيل وحدها التحكم في جدول انسحابها من الضفة الغربية، بحيث أن انسحاب جيش الاحتلال من أية بقعة في الضفة الغربية يتوقف على تقدير تل أبيب بأن السلطة قادرة على حفظ الأمن في هذه البقعة. وطالما بأن إسرائيل لم تمنح السلطة شهادة الكفاءة الأمنية فأن صفقة القرن تقرر بأنه لن يكون بالإمكان إجبارها على الانسحاب من الأراضي التي يفترض أن تقام عليها الدولة الفلسطينية. ومن الواضح أن الإستراتيجية التي تتبناها إدارة ترامب في توفير فرص تسمح بتطبيق "صفقة القرن" تتمثل في توسيع دائرة العقوبات ضد الفلسطينيين لإقناعهم بأن أمامهم فقط ما يخسرونه في حال ظلوا يرفضون التعاون مع بنود هذه الصفقة. فقد نقل موقع "ميكور ريشون" اليوم الإثنين عن مصدر في البيت الأبيض من أن مواقف السلطة "المتشنجة" وضمنها مقاطعة زيارة بنس لم تثر انطباع ترامب وأركان إدارته. وحسب المصدر، فأن ترامب وفريقه يراهنون على دور عامل الوقت في ترويض الفلسطينيين ودفعهم للموافقة في النهاية على التعاطي مع الصفقة.

ومن الواضح أن طابع الموقف العربي الرسمي يمثل أحد أهم مركبات البيئة التي تسمح للإدارة الأمريكية بمواصلة مخططها الهادف إلى إملاء صفقة القرن. فكلا من السعودية ومصر لم يكتفيا فقط بعدم تحريك ساكن إزاء المخطط الأمريكي لتصفية القضية الفلسطينية، بل أن كلا من الرياض والقاهرة يلتزمان الصمت إزاء التسريبات المتواترة بشأن انخراطهما في محاولات لدفع الفلسطينيين للتعاون مع هذا المخطط.

إلى جانب ذلك، فأنه على الرغم من تأكيد الأردن على رفض الاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلا أن سلوك عمان واقعي يدلل على أن علاقتها بكل من تل أبيب وواشنطن لن تتأثر بتوجهات إدارة ترامب إزاء القضية الفلسطينية. وما يدلل على ذلك حقيقة أن الضغط الذي مارسه مستشار ترامب وصهره جارد كوشنر، أفضى إلى تراجع الأردن عن شرطه بمحاكمة حارس السفارة الإسرائيلية في عمان الذي قتل مواطنين أردنيين، حيث وافقت عمان على إغلاق هذا الملف مقابل "تعبير إسرائيل عن أسفها" وتعويضات مالية.

من هنا، وفي ظل هذه الظروف، فأنه ليس من المستبعد أن تمثل زيارة بنس مقدمة لتطبيق صفقة القرن بوصفها أداة لتصفية القضية الفلسطينية.

 

مقالات باللغة الإنجليزية
تويتر